سيرة "المشكاة" السيدة آمنة عليها السلام ونسبُها الشريف
تعرف السيدة آمنة عليها السلام بأنها إشراقة ُ السِّرِّ المكنونِ في مَعدنِ الطُّهرِ، ووقفةُ إجلالٍ على أعتابِ "المِشكاةِ" التي انبلجَ منها نُورُ الوجودِ وجلالُ النُّبوة، وكانت سيرتها وعاءً للرسالة، فكانتْ في البرايا خيرَ مَنْبتٍ لِأزكى نبيٍّ وأكرمِ نَسَب.
نسب السيدة آمنة عليها السلام
هذا مقامٌ يقفُ فيه اليراعُ خاشعًا، ويتلعثمُ فيه البيانُ إلا أن يُمدَّ بمددٍ من صاحبِ الذكرى صلى الله عليه وآله وسلم؛ فكلامنا ليس عن سيرةٍ عابرة، بل عن (المشكاة) التي تَنَزَّل فيها النور، وعن الطاهرة التي خُصَّتْ بحملِ الدرة اليتيمة، التي لم يَجُدِ الزمانُ بمثلها، ولن يجود.
إنها السيدة آمنة، فهي المختارةُ في الأزل، ابنةُ وهب، سيدةُ بني زهرة، وكريمةُ الأبطحين، التي شاءت العنايةُ الإلهية أن تكون هي المستودعَ الأمين لسرِّ الوجود، وخاتمِ النبوة، ولقد تقلب هذا النور المحمدي في الساجدين، وتنقل من الأصلاب الشامخة إلى الأرحام المطهرة، لا يمسُّه دنس الجاهلية، ولا يخالطه ريبُ الشرك، حتى استقرَّ قراره المكين في أحشاء هذه السيدة البرة، فكانت هي الوعاءَ للسرِّ الذي انتظره الكونُ منذ دُحيت الأرضُ ورُفعت السماء.
سيرة السيدة آمنة عليها السلام
هي السيّدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، والدة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، يجتمع نسبها مع السيد عبد الله زوجها والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حكيم، حيث إنّ أحد ابنيه قصي جدّ عبد الله، والآخر زهرة جدّ آمنة.
اتفق الناس كلهم على أن أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آمنة بنت وهب الزهرية السيدة الطاهرة الشريفة، وأنها قرشية زهرية، ولم يشذ أحد يعتد بقوله، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشية الزهرية سليلة بيت زهرة.
وأم آمنة بنت وهب هي: برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي... [جمهرة أنساب أمهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ص٢٦]
فكانت السيدة آمنة عليها السلام من بنات أعمام السيد عبد الله عليه السلام.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ بَعَثَ جِبْرِيلَ فَقَسَمَ النَّاسَ قِسْمَيْنِ: فَقَسَمَ الْعَرَبَ قَسْمًا، وَقَسَمَ الْعَجَمَ قِسْمًا، وَكَانَتْ خِيَرَةُ اللَّهِ فِي الْعَرَبِ، ثُمَّ قَسَمَ الْعَرَبَ قِسْمَيْنِ: فَقَسَمَ الْيَمَنَ قِسْمًا، وَقَسَمَ مُضَرَ قِسْمًا، وَقُرَيْشًا قِسْمًا، فَكَانَتْ خِيَرَةُ اللَّهِ فِي قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَخْرَجَنِي مِنْ خَيْرِ مَنْ أَنَا مِنْهُ»
وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَنْهَبٍ، قَالَ: قَالَ خُرَيْمُ بْنُ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَحِمَهُ اللهُ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْدَحَكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَاتِ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ» .
إذِنُ الله عز وجل للنبي صلّى الله عليه وسلم بزيارة وإصلاح قَبْرِ أُمِّهِ آمنة عليها السلام
وقفَ المصطفى ﷺ بالأبواء وقفةَ الوفاء التي تتقاصرُ دونها الكلمات، مُستأذنًا ربَّ العزة في زيارةِ القبر الذي ضمَّ أطهرَ جثمان، فأصلحه بيده الشريفة وبكى بكاءً استدرَّ دمعَ الصحابةِ حوله، استعادَ الخاطرُ الشريفُ طيفَ طفولتهِ الباكرة بدارِ النابغة، ويومَ حَمَلتهُ أُمُّه "آمنة" إلى أخواله؛ فهاجَ الوجدُ في صَدْرهِ المحمديِّ لِذِكراها، لقد أقبل سِيّدُ الوجودِ على ثرى أُمّهِ قائلًا: «أدركتني رحمتُها فبكيت»، ليعلمَ العالَمُ أنَّ عاطفةَ الأمومةِ لا يطويها الموت، وأنَّ لآمنةَ في قلبِ الرحمةِ المهداةِ مقامًا لا يُطاولُه مقام.
وفي هذه الرواية نرى تصريحًا من سيدنا المصطفى الله عليه وسلم، بأن الرحمة أدركت سيدنا المصطفى لذكره آمنة عليها السلام، وأن بكاءه كان لتذكرها، ففي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ، قَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ، خَرَجَتْ بِهِ إِلَى أَخْوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ تَزُورُهُمْ بِهِ، وَمَعَهُ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ وَهُمْ عَلَى بَعِيرَيْنِ، فَنَزَلَتْ بِهِ فِي دَارِ النَّابِغَةِ، فَأَقَامَتْ بِهِ عِنْدَهُمْ شَهْرًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَذْكُرُ أُمُورًا كَانَتْ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ، لَمَّا نَظَرَ إِلَى أُطُمِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ عَرَفَهُ، وَقَالَ: «كُنْتُ أُلَاعِبُ أُنَيْسَةَ جَارِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى هَذَا الْأُطُمِ، وَكُنْتُ مَعَ غِلْمَانٍ مِنْ أَخْوَالِي نُطَيِّرُ طَائِرًا كَانَ يَقَعُ عَلَيْهِ» وَنَظَرَ إِلَى الدَّارِ فَقَالَ: "هَهُنَا نَزَلَتْ بِي أُمِّي، وَفِي هَذِهِ الدَّارِ قُبِرَ أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَحْسَنْتُ الْعَوْمَ فِي بِئْرِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ يَخْتَلِفُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: فَسَمِعْتُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ: هُوَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ فَوَعَيْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ كَلَامِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانُوا بِالْأَبْوَاءِ تُوُفِّيَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، فَقَبَرَهَا هُنَاكَ، فَرَجَعَتْ بِهِ أُمُّ أَيْمَنَ عَلَى الْبَعِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدِمُوا عَلَيْهِمَا مَكَّةَ وَكَانَتْ تَحْضُنُهُ مَعَ أُمِّهِ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ مَاتَتْ فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْأَبْوَاءِ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ» فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَأَصْلَحَهُ وَبَكَى عِنْدَهُ وَبَكَى الْمُسْلِمُونَ لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: «أَدْرَكَتْنِي رَحْمَتُهَا فَبَكَيْتُ» [الطبقات الكبرى: ١/١١٦].
إكرام سيدنا المصطفى لمن وصف أمه آمنة عليها السلام بآمنة الخير
قَدِمَ "الجارودُ العَبديُّ" على المصطفى صلى الله عليه وسلم يَسُوقُ حُججَ العقلِ بلسانٍ بليغٍ، وفؤادٍ أَبصَرَ في النُّبوةِ نُورَ الإلهِ وبرهانَه، فانطلقَ ينشدُ في حَضرتِهِ ﷺ قَصِيدًا يَهتزُّ له الرَّوان، خَتَمَهُ بنسبةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى مَعدِنِ الطُّهرِ ومَنبتِ الفضلِ: "يا بنَ آمنةَ الخَير" فما إنْ لامَسَ هذا الوصفُ المِعطارُ سَمْعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حتى اهتزَّتْ لمقالتِهِ بَشاشةُ النُّبوة، فأدناهُ الشريفُ وقرَّبَ مَجلسَهُ إكرامًا لمنْ عرفَ قَدْرَ أُمِّه عليها السلام، إنَّهُ الوفاءُ المحمديُّ الذي جَعَلَ مِنْ وُصفِ آمنةَ بـ "الخَير" مِفتاحًا لِدُنُوِّ الدارِ، وعُنوانًا لِتأليفِ القلوبِ على سُبُلِ الرَّشاد.
كلام ووصية السيدة آمنة بالتوحيد وبشارتها بالإيمان بسيد الأنام صلى الله عليه وسلم
في سكراتِ الرَّحيل، رنتْ آمنةُ عليها السلام إلى وجهِ وليدِها بعينِ البصيرةِ، فنطقتْ وصيةَ التوحيدِ، وبِشارةَ النُّبوةِ قائلةً: "أنا ميتةٌ وذكري باقٍ، فَقَدْ تركتُ خيرًا، وولدتُ طهرًا".
لقد استشرفتْ بقلبِها نُورًا أضاءَ قُصورَ الشَّام، فأودعتْ سيدَ الأنامِ صلى الله عليه وآله وسلم حِفظَ الواحِدِ القهَّار، مؤمنةً بأنَّ اليتيمَ الذي باركَهُ اللهُ سبحانه هو مَبعوثُ العنايةِ إلى كافَّةِ البرايا.
رَحلتِ البرَّةُ الأمينةُ تاركةً للوجودِ أزكى ثَمرة، ليبقى جلالُ صنيعِها خالدًا خُلودَ الرسالةِ التي حَمَلها مَن أخرجتْهُ لِلعالمينَ نُورًا وهُدىً وسكينة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض