رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

إثيوبيا لا تقف اليوم أمام أزمة واحدة وإنما أمام مشهد تتقاطع فيه أزمات الداخل مع السودان والبحر الأحمر والنيل فى توقيت لا يسمح بالنظر إلى أى ملف منها بمعزل عن الآخر فخلال الأيام الأخيرة تصاعدت المواجهات فى شمال إثيوبيا واتسعت رقعة القتال فى تيغراى ومناطق من أمهرة وعفار بالتزامن مع إعلان سبع جماعات مسلحة تشكيل تحالف جديد ضد الحكومة لكن السؤال الأهم ليس فقط ماذا يحدث داخل إثيوبيا؟ وإنما إلى أين يمكن أن يقود هذا التصعيد؟ وهل تستطيع المعارضة تغيير موازين القوة داخل الدولة؟ وما الذى يمكن أن يصل من تداعياته إلى السودان والبحر الأحمر ودول حوض النيل؟
صراع الداخل.. وأزمة الدولة
وجود تحالف مسلح واسع ضد الحكومة لا يعنى بالضرورة وجود جبهة سياسية وعسكرية موحدة قادرة على السيطرة على الدولة فالقوى المشاركة فى التحالف تختلف فى توجهاتها ومصالحها وجغرافيتها، وهو ما يجعل قدرتها على الاستمرار ككتلة واحدة محل اختبار ومن ثم لا توجد حتى الآن معطيات كافية للجزم بإمكانية انتقال السلطة لكن المؤكد أن المعارضة أصبحت قادرة على إرباك الحكومة وفتح أكثر من جبهة واستنزاف الموارد وفرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاهله والخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى السيطرة على مدينة أو مطار وإنما فى تحول الصراع إلى استنزاف طويل يضعف مؤسسات الدولة ويفتح الباب أمام تداعيات إقليمية .
الاتحاد الأفريقى أمام اختبار جديد
موقف الاتحاد الأفريقى يمثل عنصراً مهماً فى الأزمة إذ دعا إلى ضبط النفس والوقف الفورى للتصعيد والعودة إلى الحوار المباشر فى إطار اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022 مؤكداً أن الاتفاق يمثل أساساً للسلام والاستقرار والمصالحة .
لكن نجاح أى وساطة يظل مرتبطاً بقدرة الأطراف على تقديم التسوية السياسية على خيار الحرب وهنا تبرز أهمية أن يبقى الحل أفريقياً وأن تعمل دول الجوار على منع اتساع دائرة الصراع .
إريتريا والبحر الأحمر والسودان
لا يمكن قراءة التطورات فى شمال إثيوبيا بعيداً عن إريتريا والبحر الأحمر فأى اتساع للصراع قد يزيد حساسية منطقة تشهد أصلاً تنافساً إقليمياً ودولياً .
أما السودان فيمثل بالنسبة لمصر الحلقة الأكثر حساسية فالجغرافيا والحدود وحركة السكان والتجارة والأمن والمياه تجعل أى اضطراب واسع فى إثيوبيا قابلاً للانعكاس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على السودان .
ولهذا فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يرفع مخاطر حركة السلاح والهجرة والاقتصاد غير الرسمى ويزيد الضغوط على دول المنطقة .
سد النهضة.. الملف الذى لا يمكن تجاهله.
وسط هذه التطورات لا ينبغى أن يتراجع ملف سد النهضة إلى الخلفية فأى تغير سياسى أو أمنى فى إثيوبيا يستوجب متابعة مصرية دقيقة لأن الأمن المائى لا يحتمل المفاجآت .
وتؤكد مصر تمسكها بحقوقها ومصالحها المائية وبكل الوسائل التى يتيحها القانون الدولى مع التأكيد على أهمية التعاون بين دول حوض النيل .
وهنا يجب التمييز بين حق إثيوبيا فى التنمية وحق دول المصب فى حماية أمنها المائى فالتنمية لا ينبغى أن تكون خصمًا للأمن المائى كما أن حماية الأمن المائى لا تعنى رفض التنمية .
ماذا يعنى ذلك لمصر؟
المصلحة المصرية ليست فى انهيار إثيوبيا وإنما فى استقرارها وعدم تحولها إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمى مع حماية الأمن المائى المصرى .
ومن هنا فإن التحرك المصرى يحتاج إلى أربعة مسارات متوازية كالتالى :
١- تعزيز التواصل مع الاتحاد الأفريقى ودول حوض النيل ودول الجوار ودعم أى مسار جاد لخفض التصعيد والحوار .
٢- تطوير آلية مصرية دائمة لمتابعة القرن الأفريقى تجمع المعلومات السياسية والأمنية والاقتصادية والمائية وتحوّل المتابعة من رد فعل إلى استباق .
٣- مواصلة التحرك القانونى والفنى والدبلوماسى فى ملف النيل مع الاستعداد لمختلف السيناريوهات دون تهويل أو تقليل من حجم المخاطر .
٤- توسيع الحضور المصرى التنموى فى أفريقيا لأن العلاقات لا تُبنى بالسياسة وحدها وإنما أيضاً بالمشروعات والمصالح المشتركة فى الطاقة والمياه والصحة والتدريب والبنية الأساسية .
الدروس المستفادة
الأزمة الإثيوبية تؤكد أن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها العسكرية فقط وإنما بقدرتها على إدارة خلافاتها قبل أن تتحول إلى صراع مسلح كما تؤكد أن الأزمات الداخلية الكبرى لا تبقى دائماً داخل حدودها وأن أمن المياه أصبح جزءًا من الأمن القومى والاقتصادى والغذائى وأن التحالفات المسلحة تحتاج إلى مشروع سياسى مشترك حتى تتحول إلى قوة قادرة على إدارة الدولة .
وفى النهاية.. فإن مصر لا تحتاج إلى انتظار ما سيحدث فى إثيوبيا وإنما إلى الاستعداد لكل ما يمكن أن يحدث فإثيوبيا ليست بعيدة والسودان ليس بعيداً والبحر الأحمر ليس بعيداً والنيل ليس مجرد نهر وإنما أحد أعمدة الأمن القومى المصرى .
ومن هنا تبدأ الاستراتيجية أن نقرأ المؤشرات قبل أن تتحول إلى أزمات وأن نبنى السيناريوهات قبل أن تفرض نفسها وأن نتحرك عندما يكون التحرك قادراً على منع الخطر لا بعد أن يصبح واقعاً.

المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية