لعل وعسى
تناولنا فى المقالين السابقين التأكيد على أننا فى عالم تعادل الريادة التكنولوجية فيه القوتين الاقتصادية والجيوسياسية، وأن الذكاء الاصطناعى الفائق يثير العديد من القضايا، وأننا فى المرحله الثالثة منه وهى الذكاء الاصطناعى الفائق، والتى تصل معها التكنولوجيا لمرحلة التفرد والتفوق على ذكاء البشر، خاصة فيما يتعلق بالاختيار من بين بدائل التعامل مع المستقبل، والمرهون بقدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الوصول إلى الذكاء الخارق، والذى يشكل معه تهديداً للأمن القومى الأمريكى، استناداً إلى تمكين ميزة كبيرة للتحرك الأول من خلال الظهور المفاجئ لأسلحة العجائب الحاسمة. أيضاً التسبب فى تحول منهجى يغير توازن القوى العالمية. كذلك تمكين غير الخبراء من تطوير أسلحة الدمار الشامل. مع التسبب فى ظهور كيانات اصطناعية تتمتع بوكالاتها الخاصة لتهديد الأمن العالمى. أخيراً زيادة عدم الاستقرار الاستراتيجى. وقد تناولنا فيما سبق المشكلتين الأولى والثانية، أما المشكلة الثالثة فتكمن فى قدرة الذكاء الاصطناعى العام ليس فقط فى تطوير أسلحة الدمار الشامل، بل فى الحرب كعامل تمكين تحليلى ومعطل ومضاعف للقوة، ما يؤثر فى الأمن الدولى من خلال تحويل ميزان الدفاع الهجومى نحو الهجوم، لذا يرى العديد من الخبراء أن الأثر التحولى الكامل للذكاء الاصطناعى لن يتم تحديده حتى تكون هنالك ثورة مرافقة له فى الشئون العسكرية. استناداً على أن الذكاء الاصطناعى يساهم فى تطوير أنواع جديدة من الأسلحة التى تتسبب بالتعطيل والتى لم يتم تصورها مسبقا من قبل البشر، وخصوصا فى مجالات الأسلحة البيولوجية والسيبرانية. وهو ما يجعلنا نرى أنه لم تعد التكنولوجيا تقتصر على عدد قليل من الدول كما كانت الحال بالنسبة لتكنولوجيا الأسلحة النووية، التى كانت مقتصرة على خمس دول فى منتصف ستينيات القرن العشرين عندما تم التفاوض على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT). وبالرغم من أن الولايات المتحدة والصين تقودان سباق الذكاء الاصطناعى وتطبيقاته العسكرية، إلا أن الأمر لا يقتصر عليهما، حيث إن العديد من الدول الأخرى، بما فى ذلك القوى المتوسطة الصاعدة، ومنها مصر، لديها مصلحة وقدرة كبيرة فى سباق تطوير قدرات الذكاء الاصطناعى، والتى تعتقد أنها قد تخسر إذا لم تعمل على تطوير مثل هذه القدرات، نظرا لقلة البدائل التى قد توفر ميزة تنافسية مماثلة. قد يساهم هذا التصور فى خلق ديناميكية تشبه المعادلات الصفرية فيما يتعلق بتفوق الذكاء الاصطناعى، وهو ما نراه فى باكستان والتى تسير على خطاها إيران التى ترى عدم وجود بديل آخر يمكن أن تستند عليه لحماية وإدارة مصالحها. ولكننا نرى أن الإستخدام واسع النطاق للذكاء الاصطناعى
للأغراض العسكرية فى منطقة الشرق الأوسط قد يشجع ناشرى الأسلحة الحاليين أو المرتقبين على مضاعفة جهودهم فى تطوير أو الحصول على أسلحة الدمار الشامل. وسيكون هذا بمثابة محاولة للحفاظ على قدر من التكافؤ مع الدول التى تبنت الذكاء الاصطناعى ودمجته فى قدراتها العسكرية، كما يمكن الإشارة إلى تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعى بشكل عملى فى حرب غزة، أشارت تقديرات متعددة إلى أن إسرائيل سعت إلى أتمتة حربها الدائرة على غزة، إذ تستخدم نظام ذكاء اصطناعى يطلق عليه اسم «لافندر» فى عملياتها العسكرية داخل غزة، وهو نظام يقوم على تحديد الأهداف المحتملة، فقد شارك «لافندر» فى تحديد 37 ألف هدف خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ويستكمل برنامج «لافندر» برنامجين آخرين هما: «أين هو أبي؟» والذى يستخدم لتعقب الأفراد، وبرنامج الإنجيل، الذى يهدف إلى تحديد المبانى والهياكل. لذا كانت مصر من أوائل الدول التى حذرت من استخدام الذكاء الاصطناعى فى الحروب، لأنه يثير تحديات أخلاقية وقانونية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالقتل الآلى وحقوق الإنسان، إذ قد يتسبب الاعتماد المفرط على التكنولوجيا فى ارتكاب أخطاء قاتلة أو فى مسائل تتعارض مع القوانين الدولية الإنسانية وهو ما حدث بالفعل فى فلسطين. وللحديث بقية إن شاء الله.
رئيس المنتدى الإستراتيجى للتنمية والسلام