شهر شعبان بوابة رفع الأعمال وقطع الآجال
يعد شهر شعبان من المواسم العظيمة يحمل خصوصية مذهلة تجعل قلوب العارفين في وجلٍ ورجاء، فهو شهر "الحسابات الكبرى" الذي تُرفع فيه ملفات أعمالنا إلى رب العالمين، وتُحدد فيه ملامح القدر للعام القادم في التراث الإسلامي، حيث وردت فيه نصوص نبوية وأقوال للعلماء تُبرز مكانته باعتباره شهرًا تُرفع فيه الأعمال إلى الله وتُقطع فيه الآجال.
بوابة رفع الأعمال في شعبان:
في مدرسة النبوة كان شعبان شهر الاجتهاد، فإنه بخلاف رفع الأعمال اليومي للأعمال، فإن الرفع السنوي يكون في شعبان، فعندما سأل أسامة بن زيد رضي الله عنهما النبي ﷺ عن كثرة صيامه فيه، كشف له عن هذا الأمر فقال له: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [النسائي (٢٣٥٦)].
إن رفع العمل وأنت في حالة "صوم" يعني أن يُختم سجل عامك بالخضوع والسكينة، مما يعزز فرصة قبول الأعمال وتجاوز الزلات قبل دخول موسم رمضان.
ليلة النصف: حين يُفرق كل أمر حكيم:
تعد ليلة النصف من شعبان درة هذا الشهر، وقد ذهب بعض المفسرين (مثل الطبري وابن أبي حاتم) في تفسير قوله تعالى: ﴿فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ﴾ [الدخان: ٤] إلى أنها ليلة النصف من شعبان، وفي هذه الليلة يتجلى معنى "نسخ الآجال"، حيث يُبرم أمر السَّنة، وتُنقل الأسماء من ديوان الأحياء إلى ديوان الأموات، فقد ورد في السنة المطهرة ما يعمق هذا المعنى: فقد روى الطبري في تفسيره مرسلًا عن عثمان بن محمد بن المُغيرة بن الأخنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تُقْطَعُ الآجالُ مِنْ شَعْبان إلى شَعْبانَ، حتى إن الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهْ، وَقَدْ خَرَجَ اسمُهُ فِي المَوْتَى»، وروى عن عكرمة أيضًا أنه قال: في ليلة النصف من شعبان، يبرم فيه أمر السنة، وتنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد [تفسير الطبري (٢٢/ ١٠].
التحذير من الغفلة:
تبين لنا من هذه الآثار ما يبعث على التأمل حيث تصف تلك الروايات غفلة الإنسان عن قدره المحتوم، وتكتمل الصورة في روايات أخرى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إِذَا كَانَ هِلَالُ شَعْبَانَ دَفَعَ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ صَحِيفَةً يَقْبِضُ مَنْ فِيهَا إِلَى شَعْبَانَ مَنْ قَابَلَ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْرِسُ الْغَرْسَ، وَيَبْنِي الْبُنْيَانَ، وَيَنْكِحُ، وَيُولَدُ لَهُ، وَيَظْلِمُ، وَيَفْجُرُ وَمَا لَهُ فِي السَّمَاءِ اسْمٌ، وَمَا اسْمُهُ، إِلَّا فِي صَحِيفَةِ المَوْتَى إِلَى أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُهُ الَّذِي يُقْبَضُ فِيهِ، أَوْ لَيْلَتُهُ". [ترتيب الأمالي الخميسية للشجري ٢/١٥٦].
فهذه دعوة لليقظة فبينما يخطط الإنسان لسنوات من الزواج والبناء والعمل، قد يكون ملك الموت قد تسلم بالفعل صحيفة قبض روحه في "ديوان الموتى" لهذا العام، فينبغي الموازنة بين سعيه لمعاشه في الدنيا واستعداده للقاء الله عز وجل.
التوفيق بين شعبان وليلة القدر:
يطرح العلامة الغماري لفتة بديعة للجمع بين كون "القضاء" في شعبان و"الفرق" في ليلة القدر؛ فالله سبحانه يقضي الأقضية ويقدرها في ليلة النصف من شعبان، ثم يُسلم هذه الصحائف إلى أربابها من الملائكة (ملك الموت، ملك الرزق..) في ليلة القدر ليدخل الأمر حيز التنفيذ فشعبان هو ليلة "القرار والتقدير"، ورمضان هو ليلة "التسليم والتنفيذ". [انظر: "حسن البيان" (ص: ٢٣-٢٤، ط. عالم الكتب)].


