لم تعد أزمة العمل الحزبي في مصر خافية على أحد ، ولم يعد مقبولا التعامل معها باعتبارها ظرفا عابرا أو نتيجة لعوامل خارجية ، الحقيقة أن جزءا من الخلل بات داخليا، يتعلق ببنية الأحزاب نفسها وطريقة إدارتها وعلاقتها بالشارع.
المشكلة الحقيقية التي يلحظها أي متابع منصف، هي اتساع الفجوة بين بعض الأحزاب والشارع ، فجوة لم تصنعها الدولة بقدر ما صنعتها ممارسات حزبية اكتفت بالبيانات وأدمنت المؤتمرات واعتقدت أن السياسة تُدار من المكاتب المكيفة ، التجربة تقول بوضوح ؛ العمل السياسي الحقيقي يبدأ من التنظيم والاحتكاك اليومي، لا من الصور والاحاديث داخل المكاتب، المواطن البسيط لا يريد من يتحدث باسمه، بل من يقف بجواره ، يسمع شكواه ويبحث معه عن حل لها ، حتى لو كان الحل جزئيا أو مؤجلا ، الغياب عن الناس لا يشفع له تاريخ ولا اسم كبير.
قوة الأحزاب لا تُقاس بعدد قياداتها ولا بعدد المؤتمرات التي تعقدها، ولا حتى بتاريخها المجيد وإنما بقدرتها على التفاعل مع الواقع والتكيف مع المتغيرات، وتقديم حلول قابلة للتنفيذ ،حزب بعيد عن الشارع مهما كان خطابه بليغًا ومهما كان أسمه ، يظل حزبا بلا أرضية حقيقية ، أما الحزب الذي يعيش وسط الناس فيعرف نبضهم، ويدرك مخاوفهم، هو القادر على بناء ثقة حقيقية لا تسقط ابدا بمرور الأيام.
والخطأ الأكبر أن يتصور البعض أن الإصلاح الحزبي قرار يُتخذ من أعلى، أو تغيير شكلي في القيادات. السياسة لا تُدار بهذه الطريقة البناء السليم يبدأ من القاعدة، من اللجان، من التنظيم، من التواصل المباشر، ومن العمل على أرض الواقع.
استعادة الدور الطبيعي للأحزاب لن تأتي بقرارات سريعة ولا بحلول مُعلبة ، بل بعودة جادة إلى الشارع وبحضور دائم وسط الناس وبمشاركة حقيقية في همومهم قبل الحديث عن طموحات سياسية ، الحزب الذي يقف مع الناس في أوقات القلق ويشاركهم الأعباء قبل أن يطلب أصواتهم هو وحده القادر على أن يكون جزءا من الوطن
وفي النهاية تظل الحقيقة واضحة ؛ لا حياة سياسية سليمة دون أحزاب فاعلة ولا أحزاب فاعلة دون شارع حي ، من يفهم هذه المعادلة مبكرا يضمن لنفسه التأثير والاستمرار ، ومن يتجاهلها سيكتشف متأخرا أن السياسة لا ترحم الغائبين مهما كانت أسماؤهم أو تاريخهم .