أنتج مفكرو الغرب ظاهرة المركزية الثقافية الغربية عموما والأوروبية خصوصا، والتي تفترض أو ترسخ فكرة أن الغرب هو "الأصل" والباقي مجرد نسخ منه قد تكون مشوهة، والمشكلة أننا أيضا تبنينا نظرة الأوروبي والغربي إلى نفسه، فأصبحنا نرجع الكثير من الأمور إلى أصلها في الغرب،
فمثلا أطلقنا على هند رستم "مارلين مونرو الشرق"، وعلى صناعة السينما في مصر "هوليوود الشرق" قبل ان تصبح حاليا، "موليوود"، وفي السعودية يسمونها "سوليوود"، وعندما يظهر أي ممثل مصري أو مخرج مصري في دور صغير في أي فيلم أمريكي من الدرجة الثالثة، يصبح "الممثل العالمي"، و"المخرج العالمي"، وعندما يفوز أحد أفلامنا بجائزة في مهرجان دولي، يصبح "الفيلم العالمي". وكأن المحلية أمر قبيح يجب التبرؤ منه، وأن القيمة تستمد فقط من التشابه مع الآخر: الأوروبي الأمريكي. وهو تعبير غير مباشر عن الشعور "بالدونية" والنزعة المرضية للتشبه بالآخر.
وكثيرا ما أسمع أو أقرأ أن "النقاد السينمائيين في الغرب" يحللون الأفلام ويتعمقون فيها، بينما لا يعرف النقاد العرب كيف يحللون الأفلام وخصوصا
"سينمائيات الفيلم"، وأنهم يكررون فقط ما يكتبه الغربيون!
ونقاد الغرب عند هؤلاء السينمائيين، "أبقار مقدسة"، فهم دائما على صواب، وهم الأفضل والأكثر تفوقا وتميزا وما يكتبونه لا يقبل الشك أو التشكيك، بينما نحن "ليس لدينا نقد". وهي مجرد أقوال مرسلة ناتجة عن شعور بالضعف والرغبة في "جلد الذات".
هذه النظرة هي الانعكاس المباشر لهيمنة المركزية الثقافية الأوروبية، فنقاد السينما في الغرب، الذين يقعون في الكثير من الأخطاء الفادحة عند التعامل مع "السينما الأخرى" غير الأوروبية، يعتقدون أن ثقافتهم هي مركز الكون، والناقد الغربي، عندما يتعامل مع فيلم ياباني أو إيراني أو مغربي أو برازيلي، يبحث دائما عن "المؤثرات الغربية"، فهي لابد أن تكون مستمدة من شكسبير، أو من فيلليني، أو الواقعية الجديدة.. وغير ذلك.
اعتبر نقاد الغرب مثلا، فيلم "المومياء" هو "هاملت" في الصحراء، و"الزوجة الثانية" هو "بيت الدمية" لهنريك إبسن، و"دعاء الكروان" نسخة من "تيس" لتوماس هاردي، و"عمر قتلاتو" الجزائري نسخة من أفلام "الواقعية الإيطالية"، و"عرش الدم" الياباني هو "ماكبث".. إلخ، وبالتالي فمقياس الجودة والتميز عندهم يرجع فقط إلى مرجع غربي.
هذه "المركزية الثقافية الغربية" تؤدي إلى الوقوع في الكثير من الأخطاء الناتجة عن عدم فهم جوهر ومكونات الثقافة المحلية التي ينطلق منها صانع الفيلم، وإغفال الخصوصية الثقافية التي قد تتمثل في المقامات، والسير الشعبية، والمرويات الشفوية. لذلك، ولأن هؤلاء المتمركزين حول "الذات الغربية"، هم الذين يسيطرون على اختيار الأفلام للمهرجانات السينمائية الدولية، بما في ذلك كثير من المهرجانات المستجدة التي تقام في بعض البلدان العربية، فإنهم يستبعدون عادة، الأفلام التي "لا تشبههم"، أي التي لا تستدعي إلى أذهانهم شكسبير وجيمس جويس وهيمنغواي وبيرانديللو وبريخت وغيرهم.
ونتيجة لهذه المركزية يصبح أهم ما يلفت أنظار هؤلاء النقاد الذين ينبهر بهم العقل العربي "السطحي" في "أفلام الشرق"، هو تأثرها بمفاهيم العقل الغربي، لذلك يتم رفض الكثير من الأفلام الجيدة وقبول الكثير من الأفلام الضعيفة.
وفي الإبداع العربي كثير من الأعمال التي ترجع، لا إلى المنجز الغربي، بل إلى الخيال الشعبي العربيـ أو المحلي، وفي النقد السينمائي الذي يكتب باللغة العربية، اجتهادات وكتابات ودراسات كثيرة ترقى إلى أفضل مستويات النقد في العالم، لكن مشكلة هذه الكتابات أنها تُكتب باللغة العربية التي لا يعترف بها نقاد الغرب، وكثير من المثقفين العرب أيضا. وهذه هي المفارقة المضحكة!