رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

تحويل القبلة الحدث التاريخي والمغزى الإيماني في الإسلام

بوابة الوفد الإلكترونية

مثّل تحويل القبلة منعطفًا تاريخيًّا في العهد المدني؛ حيث كشف عن مكنون صدور القوم تجاه أمر الله ورسوله، فقد كان النبي ﷺ يرجو الكعبة تعظيمًا لمقام إبراهيم وإسماعيل، فلما جاء الإذن الإلهي تحولت الأجساد والقلوب جميعًا نحو شطر المسجد الحرام؛ ليظل هذا الحدث درسًا بليغًا في التسليم المطلق لله، وإعلانًا لسيادة القبلة الإسلامية واستقلالها.

تحويل القبلة

كان قلب النبي ﷺ معلقًا بالكعبة المشرفة، فظل يقلب وجهه في السماء؛ رجاءً لنزول الوحي بتحويل القبلة نحو بيت الله الحرام. وفي شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، نزل جبريل بشيرًا بالاستجابة النبوية، ليربط الأمة ببيت أبيها إبراهيم، ويضع فرقانًا بين أهل الصدق وأهل الريب.


السنة الثانية من الهجرة وتحويل القبلة

من الأحداث المُهِمَّة التي وقعت في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.

في العام الثاني من الهجرة وفي شهر شعبان عند أكثر العلماء [ابن كثير، البداية والنهاية، ٣/٣٠٩]، نزل قول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فنزل ذلك بَرْدًا وسَلامًا على المؤمنين، وشرِقت من ذلك قلوب اليهود والمنافقين.

وقد أمر الله المسلمين في بداية أمرهم أن يستقبلوا بيت المقدس، فامتثلوا أمر الله تعالى حتى هاجروا من مكة، ولما هاجروا إلى المدينة مكثوا على ذلك ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، حتى نزل نَسْخُ القِبْلة.

عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ- أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ- وَأَنَّهُ «صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلَّاهَا صَلاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ»، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ».[رواه البخاري].

وكان الله يعلم أنه يحب أن يوجه نحو الكعبة، فلما وجه النبي ﷺ إليها صلى رجلٌ معه، ثم أتى قومًا من الأنصار وهم ركوع نحو بيت المقدس، فقال لهم وهم ركوع: أشهد أن رسول الله ﷺ قد وجه نحو الكعبة، فاستداروا وهم ركوع فاستقبلوها.

وعن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، ‌وَعَلَى ‌قَوْلِنَا ‌خَلْفَ ‌الْإِمَامِ: ‌آمِينَ». [رواه أحمد].


مدة الصلاة إلى بيت المقدس والتحويل الى الكعبة المشرفة
قال ابن سيد الناس: "وقد اتفق العلماء على أن صلاة النبي ﷺ بالمدينة كانت إلى بيت المقدس، وأن تحويل القبلة إلى الكعبة كان بها، واختلفوا: كم أقام النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة؟ وفي أي صلاة كان التحويل؟ وفي صلاته عليه السلام قبل ذلك بمكة كيف كانت؟ فأما مدة صلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس بالمدينة فقد رويناه أنه كان ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، أو ثمانية عشر شهرًا، وروينا بضعة عشر شهرًا.

قال الحربي: ثم قدم النبي ﷺ المدينة في ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام السنة، وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر، ثم حولت القبلة في رجب، وكذلك روينا عن ابن إسحاق، قال: ولما صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة وصرفت في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مقدم رسول اللهّٰ ﷺ المدينة في خبر ذكره...

وعن عبد الرحمن بن عبد اللهّٰ بن كعب بن مالك: إن القبلة صرفت في جمادى. وقال الواقدي: إنما صرفت صلاة الظهر يوم الثلاثاء في النصف من شعبان، كذا وجدته عن أبي عمر بن عبد البر. [ابن سيد الناس، عيون الأثر، ١/٢٦٨].

والمشهور والمعتمد في كتب السير هو النصف من شعبان في السنة الثانية للهجرة، وهو قول الواقدي والجمهور، وعليه جرى عمل المسلمين في إحياء ذكرى هذه المناسبة.


مسجد القبلتين شاهد على تحويل القبلة

صلّى رسول الله، ﷺ، ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ثم أُمر أن يوجّه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال: بل زَارَ رسول الله ﷺ أمّ بِشْر بن البَراء بن مَعرور في بني سلمة فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر فصلّى رسول الله، ﷺ، بأصحابه ركعتين، ثمّ أُمر أن يُوَجّه إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسمى المسجد مسجد القبلتين، وذلك يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرًا، وفُرض صوم شهر رمضان في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا، قال محمّد بن عمر: وهذا الثبت عندنا. [ابن سعد، الطبقات الكبرى،١/٢٠٨].

قال القرطبي: الصحيح سبعة عشر شهرا، وهو قول مالك وابن المسيب وابن إسحاق، وقد روي ثمانية عشر، وروي بعد سنتين، وروي بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر، والصحيح ما ذكرناه أولًا. [ابن سيد الناس، مرجع سابق، ١/٢٦٩].


تحديد الصلاة التي حولت فيها القبلة

وأما الصلاة التي وقع فيها تحويل القبلة: ففي خبر الواقدي هذا أنها الظهر، وقد ذكرنا في حديث البراء قبل هذا أنها العصر.

عن أنس بن مالك أن رسول الله، ﷺ، كان يصلّي نحو بيت المقدس فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [سورة البقرة: ١٤٤]، فمرّ رجل من بني سلمة بقوم وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلّوا ركعة، فنادى: ألا إن القِبلة قد حُولت إلى الكعبة، فمالوا إلى الكعبة.

وعن عُمارة بن أوس الأنصاري قال: صلّينا إحدى صلاتَيِ العشيّ فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة فنادى: إن الصلاة قد وجهت إلى الكعبة، تحوَّل أو تَحَرَّف إمامُنا نحو الكعبة والنساء والصبيان. [ابن سعد، الطبقات، ١/٢١٠]، وليس في هذين الخبرين ما يعارضهما قبلهما؛ لأن بلوغ التحويل غير التحويل.

وروى سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كانوا يصلون الصبح فانحرفوا وهم ركوع.

[ابن سيد الناس، عيون الأثر،١/٢٧٠ بتصرف].

ومن هنا يتجلى أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين الروايات؛ فالتحويل نزل والرسول ﷺ يصلي الظهر في مسجد بني سلمة (مسجد القبلتين)، ثم كانت العصر هي أول صلاة يصليها في المسجد النبوي بالقبلة الجديدة، بينما وصل الخبر لأهل قباء في صلاة الصبح.

وبهذا يتبين أنَّ هذا التعدد في النقل يعكس دقة الصحابة والتابعين في رصد الحدث من زوايا مختلفة، فكلٌّ حكى ما شاهده أو ما وصل إليه الخبر في وقته، مما يزيد الحدث وثوقيةً وضبطًا.