الذكاء الاصطناعي يغير وجه المكتبات.. ثورة في إعداد المحتوى والجودة
استضافت قاعة المؤتمرات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته السابعة والخمسين، اليوم، الجلسة الأولى لمؤتمر «الذكاء الاصطناعي في إعداد المحتوى للمكتبات ومؤسسات المعلومات: أدوات تحسين الجودة والابتكار»، وترأس الجلسة الدكتور شريف شاهين، أستاذ نظم إدارة مؤسسات المعلومات ومصادرها بكلية الآداب – جامعة القاهرة.

وشارك في الجلسة كل من: الدكتورة أماني مجاهد، أستاذة تقنية المعلومات ورئيسة قسم المكتبات والمعلومات، والدكتور أسامة هندي، أستاذ مساعد المعلومات والمكتبات وتكنولوجيا التعليم، والدكتور عماد عيسى، رئيس الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات بكلية الآداب – جامعة العاصمة، والدكتورة حفيظة مخنفر، أستاذة بحث في المعهد الوطني للتربية بالجزائر.
وفي مستهل الجلسة، قدم الدكتور شريف شاهين المتحدثين، مثمنًا خبراتهم في مجالات التكنولوجيا ونظم المعلومات، قائلًا إنه ناقش مع الدكتور عماد عيسى سبل تحويل الأحلام والرؤى الأكاديمية إلى واقع عملي يخدم المكتبات ومؤسسات المعلومات في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
ومن جانبها، قالت الدكتورة أماني مجاهد إن الوعي يمثل القضية المحورية لمؤسسات المعلومات والمكتبات ومراكز الوثائق والمتاحف، موضحة أن الهدف منذ ظهور الذكاء الاصطناعي هو نشر هذا الوعي وتعزيز الاستخدام الرشيد للتقنيات الحديثة.
وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في توحيد الجهود بين المؤسسات، لافتة إلى ريادة جامعة القاهرة في هذا المجال من خلال إنشاء مركز متخصص للذكاء الاصطناعي.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح ثورة حقيقية في إعداد المحتوى، مؤكدة ضرورة تدريب العقل البشري على التفكير النقدي وعدم الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي، حتى لا يتحول الإنسان إلى تابع للآلة.
وتناولت الدكتورة أماني مجاهد دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز الكفاءة والجودة داخل المكتبات وتخصص المعلومات، مستعرضة أبرز التطبيقات المساندة للخدمات المكتبية، مثل ChatGPT وGrammarly وGoogle Gemini، التي تسهم في توليد النصوص وتحليل المحتوى والبيانات.
وأوضحت أن إعداد الصور والرسوم والتصميمات المرئية أصبح أكثر سهولة ودقة بفضل هذه التقنيات، مع التأكيد على ضرورة مراعاة حقوق المؤلف والناشر وعدم إساءة استخدام أدوات التلخيص أو التحليل الآلي.
كما أشارت إلى منصة Spaces بوصفها دليلًا شاملًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يساعد المتخصصين على اختيار الأدوات المناسبة لاحتياجاتهم، مؤكدة أهمية التعاون وتبادل الخبرات بين العاملين في المجال.
وفي كلمته، قال الدكتور أسامة هندي إن الوعي بالذكاء الاصطناعي بات ضرورة ملحة في ظل التطور المتسارع وغير المسبوق لهذه التقنيات، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح يمس جميع المجالات دون استثناء.
وأوضح أن المجتمعات العربية لا تزال متأخرة نسبيًا عن الغرب في مواكبة هذه التحولات، ما يستدعي وضع خطط عاجلة للعلاج والتطوير.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يتصدر اهتمامات منظمة اليونسكو، مؤكدًا الحاجة إلى رفع الوعي المعرفي والمتابعة المستمرة لهذه التطورات المتلاحقة، التي تشبه – على حد وصفه – «قطارًا يسير بسرعة الصاروخ».
ومن جانبها، تناولت الدكتورة حفيظة مخنفر إشكالية الخوارزميات والتنبؤ الاجتماعي، متسائلة عن حدود الاستفادة منها في البحث العلمي الاجتماعي.
وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي يلعب دورًا مهمًا في التنبؤ بالظواهر الاجتماعية، مثل التسرب المدرسي، من خلال تحليل البيانات وتحديد الفئات المعرضة للخطر.
وأضافت أن التنبؤ العلمي يقوم على استنتاج وقائع جديدة، بينما يركز التنبؤ الاجتماعي على تحليل الظواهر القائمة، مشيرة إلى أن التنبؤ الاجتماعي أكثر تعقيدًا من نظيره في العلوم الطبيعية.
وأكدت أن تحقيق التنبؤ الاجتماعي يتطلب توافر بيانات متعددة المصادر، والتقدم في المعالجة الحاسوبية، وتطور تقنيات تعلم الآلة، التي تمثل النهج الرئيسي في هذا المجال.
كما أشارت إلى أهمية إعادة تعريف مفهوم التنبؤ الاجتماعي في السياق الأكاديمي والسوسيولوجي، ودوره في الحوكمة وصنع القرار، لافتة إلى بروز علم الاجتماع الحاسوبي، الذي يعتمد على المحاكاة الحاسوبية، نتيجة التطورات المتسارعة في مجال الحوسبة.
وفي مداخلته، تحدث الدكتور عماد عيسى عن إحياء الذاكرة الثقافية من خلال الذكاء الاصطناعي والإنسانيات الرقمية، مشيرًا إلى مفهوم «الرقمنة الصامتة» والتحليل الذكي الناطق لتكنولوجيا المعلومات.
وأوضح أن الإنسانيات الرقمية لا تعني مجرد استخدام الحاسوب، بل تمثل منهجية متعددة التخصصات لفهم الإرث الثقافي وسد الفجوة بين العلوم الإنسانية وعصر الرقمنة.
وأضاف أن ما بعد المسح الضوئي يمثل تطورًا منهجيًا مهمًا، موضحًا أن الباحثين في السابق كانوا يقضون سنوات في مقارنة المخطوطات واستخراج العلاقات بين النصوص، بينما أسهمت التقنيات الحديثة في تقليص الزمن والجهد بشكل كبير، مؤكدًا ضرورة تحويل الرصيد المعرفي والتراث الثقافي إلى الشكل الرقمي.
وأشار إلى تطور تقنيات القراءة الآلية للمخطوطات العربية عبر تدريب الشبكات العصبية، واستخدام الأشعة السينية لفك بعض الحروف واستكمال الأجزاء التالفة، محذرًا في الوقت نفسه من الاعتماد المطلق على الآلة في استكمال النصوص، نظرًا لاحتمالات الخطأ والتخمين.
واختتم الدكتور عماد عيسى حديثه بالتأكيد على أن الترميم الرقمي والتكشيف الآلي يعتمد بدرجة كبيرة على تدريب الخوارزميات، مؤكدًا أن المسؤولية القانونية والأخلاقية تظل في النهاية على عاتق الإنسان، خاصة في ظل ما تعرف به بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي من «هلوسة» أو اختلاق للمراجع والمعلومات، مشددًا على أن الثقة الكاملة في الآلة لا تزال محل نقاش حتى في الدول المتقدمة.