مُبِين
فى نقاشى مع صديقة مثقفة ومهمة أقدّرها، صادفتها هذا العام فى معرض الكتاب، عاتبتنى على ما كتبت فى مقالٍ سابق بعنوان» مؤتمر بلا صدام لا يعول عليه»، ورأت أن هناك شخصيات لا بد من دعوتها لأى محفل أدبى، لأن غيابها قد يخلّ بالحدث. وأنا أتفق معها فى الجوهر، لكننى توقفت عند كلمة «لا بد». فهل الدعوة حق مكتسب بحكم التاريخ؟ أم مسؤولية تُحدَّد بطبيعة الدورالمطلوب؟ فالسؤال ليس؛هل ندعو القامات الكبرى؟ بل؛ كيف ندعوها؟ ولماذا؟ وفى أى موقع؟.
لم أكتب يومًا بدافع نفى أحد، فالقامات الكبرى حضورها متحقق فى الوعى قبل القاعات. فهناك أسماء لا تحتاج إلى دفاع، ما أردت قوله، وما أتمسك به، هو ما معنى الحضور فى محفل أدبى؟. ولم أقصد أبدًا بذلك الاعتراض على القامات الكبرى، ولا خطر ببالى أن أمسّ مكانتهم أو أنكر أثرهم. على العكس؛ أنا ابنة هذا المشهد الثقافى، وقد تعلمت من كتاباتهم وتجاربهم. لكن ما حاولت قوله، وربما أُسىء فهمه، هو أننا نخلط أحيانًا بين التكريم والدور، وبين الحضور الرمزى والحضور التفاعلى.
أنا أؤمن أن هناك فارقًا جوهريًا بين الحضور بوصفه تكريمًا، والحضور بوصفه فعلًا معرفيًا حيًا. فالتكريم واجب أخلاقى تجاه من صنعوا أثرًا وفتحوا طرقًا. أما التفاعل؛ فهو فعل راهن، يتطلب انخراطًا، وقدرة على الاشتباك، وانفتاحًا. فالتكريم حق أصيل لمن صنعوا تاريخًا إبداعيًا، والدعوة الشرفية اعتراف جميل بالفضل والفعل. لكن الخطأ يبدأ حين نحمّل هذه الأسماء أدوارًا تفاعلية لا تحتاجها، أو نضعها فى مساحات حوارية كان يمكن أن تكون أكثر حيوية لو أُعطيت لموهبة ربما ما زالت فى طور التشكّل، لكنها تمتلك ما تقول. فأحيانًا يكون أجمل ما يقدمه الاسم الكبير هو حضوره الرمزى، صمته المهيب، أو كلمته الموجزة التى تُشبه الخاتمة لا المتن.
فالتفاعل هو القدرة على الإصغاء بنفس القدرة على الحوار، وبعض الأصوات الجديدة، تملك حرارة التجربة والتفاعلية فيها، وإقصاؤها بحجة «عدم المعرفة» قد يضر بالمشهد أكثر مما يقويه.
لذلك؛ أنا لا أدعو إلى استبدال أحد بأحد. ما أدعو إليه هو وعى بالتوزيع العادل للأدوار؛ أن نكرّم المشوار حين يكون المقام مقام وفاء، وأن نفتح المنصة للتفاعل حين يكون الهدف هو الحياة الثقافية لا صورتها. وهكذا نحافظ على احترام التاريخ دون أن نغلق أبواب المستقبل. فالمحفل الأدبى، فى النهاية، ليس متحفًا للإنجازات، بل مختبر للأسئلة. وإذا فقدنا هذا الفهم، خسرنا المعنى، مهما ازدحمت المنصة بالأسماء.
إن دعوتى لا تنطلق من رفض الرموز ولا من تقديسها، بل من الوعى بأهميتها وأثرها. فتجاهل هذه الرموز ليس حيادًا بريئًا، بل فعلٌ لا يقل جرمًا عن تأليهها، وعلى ذلك فالتعامل الواعى معها، وحده الكفيل بتحريرها من القداسة الزائفة، وكذلك من النسيان القاتل.