حكم استخدام الكحول في العطور وأدوات التجميل ونحوها
أثبت الشرع الشريف أنه يجوز شرعًا استعمال الكحول في العطور وغيرها من المنتجات ذات الاستخدامات النافعة؛ لأن الكحول بمجرده ليس خمرًا، فلا يكون نجسًا، وهذا ما تقتضيه قواعد المذهب الشافعي وبقية المذاهب الفقهية.
استخدام الكحول في العطور وأدوات التجميل
ذهب الحنفية إلى أن الصحة في العبادات موافقةُ أمر الشارع على وجهٍ يندفع به القضاء، وفي المعاملات ترتب أثرها، وعند الفقهاء: الصحيح في العبادات والمعاملات ما اجتمع أركانه وشرائطه حتى يكون معتبرًا في حق الحكم.
والصحيح الذي تقتضيه قواعد المذهب الشافعي، بل وبقية المذاهب الفقهية المتبوعة أيضًا أن الكحول في نفسه ليس نجسًا، وأنه يجوز استعماله في العطور والمنظفات والأدوية وغير ذلك من الاستخدامات النافعة، وأن الإنسان إذا صلَّى وهو متعطر به فصلاته صحيحة؛ وذلك لِمَا يأتي:
1- من المقرر شرعًا أن الأصل في الأعيان الطهارة، ومع أنه يحرم شرب الكحول لكن لا يلزم من كون الشيء محرمًا أن يكون نجسًا؛ لأن التنجيس حكم شرعي لا بد له من دليل مستقل، فإن المخدرات والسموم القاتلة محرَّمة مع كونها طاهرة؛ لأنه لا دليل على نجاستها، ولذلك كان من الضوابط الفقهية أن النجاسة يلازمها التحريم، والتحريم لا يستلزم النجاسة؛ فكل نجسٍ محرَّمٌ، ولا عكس.
2- الشافعية يجعلون إطلاق الخمر حقيقةً على ما اتُّخِذ للإسكار من عصير العنب، ويشترطون لنجاسته كونَه ذا شدة مطربة، بينما يشترط الحنفية أن يقذف بالزَّبَدِ، ثم ألحق الشافعية ما في معناه مما اتُّخِذ للإسكار من غير عصير العنب وكان ذا شدة مطربة، وألحقوه بالخمر المتَّخذ من عصير العنب في التحريم والنجاسة، أما الحنفية فيرون أن ما أسكر من غير عصير العنب ليس نجسًا وإن كان حرامًا من جهة التناول.
وعلى ذلك فالكحول في نفسه ليس بخمر حتى يكون نجسًا نجاسة العين، ولا هو من الأشربة المسكرة غير الخمر التي اختلفوا في نجاستها وطهارتها، بل هو مادة سامة مثل سائر السموم، وليس من شأنها أن تشرب في الأحوال العادية بقصد الإسكار، وإنما حرم تناول السم؛ لأنه مهلك وضار، فالكحول طاهر كطهارة الحشيش والأفيون وكلٌّ ضار.
3- مادة الكحول الصرفة ليست شرابًا، ولا من شأنها أن تُشرَب، ولا يلزم من كونها سائلةً أن تكون نجسةً، فإن المعتمد عند الشافعية أن كل شراب مسكر فهو نجس، ويعنون بكل شراب مسكر ما كان ذا شدة مطربة، ولم يعبروا بكل سائلٍ إشارةً إلى أن مجرد كونه سائلًا مسكرًا لا يكفي في الحكم بنجاسته، بل لا بد أن يكون شرابًا؛ أي من شأنه أن يُشرَب، لا مجرد كونه على حالة سائلة، وهو ما يُفهَم أيضًا من تعبيرهم بالاعتصار وهو افتعال من العصر، ومن تعبيرهم بالأنبذة التي هي جمع نبيذ؛ وهو الماء الذي يُنتبَذُ فيه أي يُطرَح ويُلقَى ما يهيئُه للشرب.
4- الأصل أن المسكر المحرم في النصوص الشرعية هو المسكر المتعارف شربه، وأما ما لا يمكن شربه صرفًا كالكحول فلا تشمله النصوص حتى يدل على ذلك دليل مستقل، خاصة أنه لم يكن موجودًا بانفراده في زمن التشريع، وإنما يحرم تناوله للضرر.
5- النجاسة مسألة شرعيٌّة وليست حقيقة كيميائية، بمعنى أن كون الخمر نجسة إنما يُعلَم عن طريق الشرع، وكون الكحول هو العنصر المسبب للإسكار في الخمر هو حقيقة التحليل الكيميائي، ولا يلزم من هذه الحقيقة بمجردها أن يكون الكحول نجسًا أو حرامًا عند انفراده في سائل آخر غير الخمر؛ لأنه لا يلزم من نجاسةِ مُركَّبٍ نجاسةُ بسائطه؛ فإن النجاسات المجمع عليها كَبَول الإنسان وغائطه مركبة من عناصر كيماوية قد توجد في الأشياء الطاهرة، بل في الطعام والشراب؛ وإنما جاءت النجاسة وحصل الاستقذار من التركيب المخصوص بالنسب المخصوصة. والتخمر إنما يحصل عند وجود مادة سكرية في العين، وإلا فلا يمكن التخمر مهما طال المكث كالحنظل.
استخدام الكحول في العطور
والتخمر هو عبارة عن استحالة المادة السكرية إلى الكحول وحمض الكربونيك فيصير الشراب المتخمر حينئذٍ مسكِرًا بسبب هذا الكحول، والكحول بانفراده لا يسكر، لكنه يؤذي؛ فإذا شُرِبَ صِرفًا فإما أن يقع شاربُه في سبات وإما أن يذهب عقله، فإذا أريد تحويلُه للإسكار مُزِجَ بثلاثة أمثاله ماءً ثم استُقطِر فيصير عندها خمرًا؛ ففي خلط الماء بها دخلٌ في تحقق صفة الإسكار، والمنشئ لتنوع المسكرات إنما هو اختلاف مراتب السكر الحاصل من نسبة مزج الماء بالكحول زيادة ونقصانًا؛ فالعرق يشتمل على الكحول بنسبة 40% فصاعدًا، وبقية الخمور مشتملة عليه بنسبة 10%، والفقاع المتخذ من الشعير مشتمل على نسبة 5% وهكذا، والكحول بنفسه مادة سمِّيَّة وهو لا يؤثر وصف الإسكار بالفعل حتى يُمزج بمقدار من الماء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض