أون لاين
لم تعد الجرائم الإلكترونية تعتمد على مهارات تقنية معقدة أو اختراقات عميقة للأنظمة، بل باتت فى كثير من الأحيان أبسط من ذلك بكثير، رسالة نصية قصيرة، تحمل اسم جهة رسمية ولهجة قانونية صارمة، أصبحت كافية لإرباك مواطن ودفعه إلى ارتكاب خطأ قد يكلّفه بياناته وأمواله وربما هويته الرقمية بالكامل، ما يحدث اليوم ليس مجرد عمليات نصب عابرة، بل هو تعبير واضح عن أزمة ثقة يتم استغلالها بذكاء وخبث.
خطورة موجة الاحتيال الأخيرة، التى تنتحل صفة جهات حكومية وتزعم تسجيل مخالفات مرورية، لا تكمن فقط فى الخسائر المادية التى قد يتعرض لها الضحايا، بل فى استهدافها المباشر لثقة المواطن فى مؤسسات دولته.
المحتال هنا لا يختبئ خلف اسم مجهول أو عرض مغرٍ، بل يتحدث بلغة القانون، ويستخدم أسماء كيانات رسمية، ويستغل خوفًا مشروعًا من المساءلة والعقوبة، هذه المعادلة النفسية هى جوهر الجريمة.
اللافت أن المحتالين لم يعودوا يعتمدون على العشوائية الفجة، بل يدرسون جيدًا سلوك المستخدم، يدركون أن المواطن قد يتجاهل رسالة دعائية، لكنه سيتوقف طويلًا أمام رسالة تحمل توقيع النيابة أو البريد، يدركون أيضًا أن عامل الوقت يلعب لصالحهم، لذلك تأتى الرسائل محملة بتهديد مبطن وإلحاح على السداد السريع، فى محاولة لشل التفكير المنطقى ودفع الضحية لاتخاذ قرار متسرع.
ورغم التحذيرات الرسمية المتكررة من الجهات المعنية، فإن تكرار الوقوع فى الفخ يكشف فجوة حقيقية فى الوعى الرقمى، فالأمن السيبرانى لم يعد مسئولية المؤسسات وحدها، بل أصبح سلوكًا يوميًا يجب أن يتبناه المستخدم نفسه، السؤال لم يعد هل الرسالة صحيحة، بل لماذا أتعامل مع أى رسالة دون تحقق، مهما بدت رسمية.
فى المقابل، تحسب للجهات الرسمية سرعة التحرك ونفى صلتها بهذه الرسائل، وإصدار تحذيرات واضحة، لكن الواقع يؤكد أن المعركة غير متكافئة، فالمحتال يعمل بلا قيود، بينما تتحرك المؤسسات وفق أطر قانونية وإجرائية، هنا يصبح المواطن هو خط الدفاع الأول، وربما الأخير، فى مواجهة هذا النوع من الجرائم.
المشكلة الأعمق أن تكرار هذه الحوادث يترك أثرًا سلبيًا طويل المدى، إذ يزرع الشك فى أى رسالة رسمية حقيقية مستقبلًا، ويضعف جسور الثقة بين المواطن والخدمات الرقمية الحكومية، وهى ثقة بنيت على مدار سنوات من التحول الرقمى، الخسارة هنا لا تُقاس بالأموال فقط، بل بتآكل الثقة العامة.
فى النهاية، ما يسرق فى هذه الجرائم ليس الحساب البنكى فقط، بل الطمأنينة، ومع كل رسالة احتيالية ناجحة، تسرق قطعة جديدة من الثقة، وتزداد الحاجة إلى وعى حقيقى يُدرك أن أخطر الهجمات الرقمية قد تأتى فى أبسط صورة، رسالة قصيرة.