مراجعات
على مدار عام كامل، لم يستطع مَن حوله استيعاب سلوكه الغريب ومزاجه المتقلب، وكَسْرِه كافة القواعد، لتستقر في وجدان غالبية الشعب والنُّخَب الأمريكية، ومعظم زعماء وشعوب العالم، قناعة تامة بعدم ثقتهم بقدراته القيادية والسيكولوجية.
منذ عودة دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، قبل عام، يبدو المشهد العالمي وكأنه دخل مرحلة جديدة من التوتر الممنهَج، وفق إيقاع «سمسار» يرى السياسة امتدادًا لغرائزه، فيُعامل الجغرافيا السياسية كما لو كانت طاولة مفاوضات عقارية، تُدار بالضغط، وتُحسم بالتهديد.
عامٌ أول انقضى، وانتهى بعقد صفقات، سواء أكانت عن طريق «التفاهمات»، أم «الخطف» أو «الوعيد»، ليبدأ «الرجل البرتقالي» عامه الثاني بلغة أكثر وقاحة، تفرض الصفقات بالقوة، أو تَرْك الآخرين يواجهون الفوضى وحدهم.
من الصعوبة تخيُّل مجريات الأحداث حتى العشرين من يناير 2029، ليس لأن المشهد غامض ومرتبك، بل لأنه يسير وفقًا لاستراتيجية الفوضى، إذ أن «ترامب» غير المتوقَّع دائمًا يُربك الحلفاء قبل الخصوم، ويجعل العالم بأسره يعيش في حالة ترقُّب، كمن ينتظر انفجارًا لا يعرف توقيته، لكنه متأكد من وقوعه!
في العام الأول لـ«ترامب»، عُقد الكثير من الصفقات تحت شعار «الدبلوماسية البراجماتية»، ومفاوضات مع قوى كبرى، وتفاهمات مشروطة مع حلفاء تقليديين، ورسائل مزدَوجة اللَّهجة لدولٍ تُصنَّف أحيانًا كشركاء، وأحايين أخرى كخصوم!
الآن، خَفَتَت لغة الإقناع، وارتفع منسوب الإملاءات، وباتت رسالة «ترامب» للجميع: إما أن تُذعنوا للشروط والأوامر، أو تتحملوا العواقب، من دون أي اكتراث للتوازنات الدقيقة، أو أعراف وتقاليد السياسة الدولية.
إن أفعال «ترامب» في كافة الملفات بعيدة عن أي منطق سياسي، ففي الشرق الأوسط، تُدار الملفات بمنطق الصفقات السريعة، حيث تُختزل القضايا التاريخية المعقّدة في عناوين اقتصادية، أو تفاهمات أمنية مؤقتة، بينما يُترك جوهر الأزمات بلا حلول جذرية.
أما في أوروبا، فيتعامل مع حلفائه كما لو كانوا «زبائن» تأخروا في سداد الفاتورة، مُلَوِّحًا دائمًا بإعادة تعريف التحالفات إذا لم تتطابق المصالح مع الحسابات الأمريكية الضيقة، وفي المقابل تتأرجح سياسات «ترامب» في آسيا، بين التصعيد والتهدئة، في لعبة عضِّ أصابع، لا يعرف أحد حدودها النهائية.
لعل السخرية هنا ليست في غرابة الأحداث، بل في اعتياديتها، فالعالم الذي طالما انتقد شعبوية «ترامب» وخطابه الصِّدامي، بات يتكيَّف معه، بل ويُعيد حساباته على أساس مزاجه اليومي، حتى صارت الشعوب تتابع مؤتمراته وتصريحاته، لا بوصفها مواقف مدروسة، بل كمؤشرات لطقسٍ سياسيٍّ متقلب!
أخيرًا.. السنوات الثلاث المتبقية في ولاية «ترامب»، ليست مجرد زمن سياسي، بقدر ما هي حالة نفسية عالمية، تُبقي الجميع في حالة استنفار دائم، من دون يقين حقيقي بما هو قادم.. وحتى يحين يناير 2029، سيظل العالم مرغمًا على التعايش مع سياسة تنتهج الغرور وغطرسة القوة.
فصل الخطاب:
يقول «هنري كيسينجر»: «أخطر ما في السُّلطة حين تُمارَس بلا حكمة، أنها لا تُربك الخصوم وحدهم، بل تُنهك العالم بأسره».