نجوم زمن الفن الجميل (7)
خشبة المسرح انطلاقتى.. والشاشة شوهت صورة المرأة
سميرة محسن فى حوار لـ «الوفد»:
مشوارى الأكاديمى الأهم فى محطاتى.. والفن رسالة والكوميديا ليست عيباً
خالد النبوى دائم السؤال عنى.. ويهادينى فى عيد الأم
تأثرت بكمال ياسين وحسين كمال وعاطف الطيب ونور الدمرداش.. وقدّمت جيلاً من النجوم
فى زمن باتت فيه الأضواء سريعة الانتهاء، والأعمال الفنية تنسى بطريقة أسرع، يبقى لفنانى الزمن الجميل سحر خاص لا يخفت بريقه مهما مرت السنوات، هم علامات مضيئة فى تاريخ الفن المصرى والعربى، حفروا أسماءهم فى وجدان الجماهير بموهبتهم الفطرية، وأعمالهم الخالدة التى ما زالت تعيش بيننا جيلاً بعد جيل، لم يكونوا مجرد ممثلين، بل كانوا رسلاً للفن الأصيل، وأيقونات للثقافة التى شكلت الوعى الجمعى للمجتمع.
من هنا، جاءت فكرة سلسلة الحوارات الصحفية مع عدد من نجوم زمن الفن الجميل، سنستعيد معهم البدايات الأولى، وذكريات الكواليس، ولحظات النجاح والانكسار، وأيضاً رؤيتهم للفن اليوم، وكيف ينظرون إلى الأجيال الجديدة التى ورثت المشهد.
إنها ليست مجرد مقابلات صحفية عابرة، بل محاولة لتوثيق تاريخ حى، وسرد سيرة مبدعين لا تزال أعمالهم تعلمنا معنى الالتزام والصدق والإخلاص للفن، والتعرف على أسرار النجومية الحقيقية، واستلهام الدروس من جيل صنع تاريخاً من ذهب، لا يصدأ مهما تغيرت الأزمنة. تظل الفنانة الدكتورة سميرة محسن نموذجاً للفنانة المثقفة التى تؤمن بأن الفن رسالة ومسئولية، لا مجرد وسيلة للظهور والشهرة، فهى فنانة تعبر عن تاريخ المسرح والفن الأصيل، صاحبة مسيرة متميزة، جمعت بين العمل الأكاديمى والإبداع الفنى.
تتحدث «للوفد» عن مشوارها الطويل فى عالم المسرح والسينما والدراما، وعن رؤيتها لواقع الفن اليوم، وتقييمها للجيل الجديد من المبدعين.
وبدايتها على خشبة المسرح بداية من «خيال الظل»، مروراً بمحطاتها مع كبار المخرجين مثل كمال ياسين وحسين كمال وعاطف الطيب، وصولاً إلى دورها الأكاديمى فى تخريج أجيال من الفنانين.
● المسرح جزء أساسى فى رحلتك الفنية، ماذا يمثل لكِ؟
- المسرح بالنسبة لى حجر الأساس فى تكوينى الفنى والإنسانية، حيث كانت بدايتى الفنية من فوق خشبة المسرح، منذ أن كنت طالبة فى المعهد العالى للفنون المسرحية، حيث شاركت فى مسرحية «خيال الظل»، التى جمعتنى بكبار الفنانين مثل سميحة أيوب، وعزت العلايلى، وتوفيق الدقن، وقد كانت هذه التجربة نقطة تحول مهمة فى حياتى، خاصة حينما اختارنى المخرج كمال ياسين لأداء دور «هدية»، وهو الدور الذى أعتبره انطلاقة حقيقية فى مسيرتى،
حيث كان المسرح فى تلك الفترة يحظى باهتمام كبير من مخرجى التلفزيون والسينما، وكان بمثابة نافذة حقيقية لاكتشاف المواهب، ومن خلاله بدأت تتوالى مشاركاتى فى أعمال مسرحية أخرى مع مخرجين كبار مثل نبيل الألفى وحسن عبدالسلام، إلى أن شاهدنى المخرج حسين كمال، الذى قدمنى لاحقاً فى فيلم «شىء من الخوف»، وهو من الأعمال الفارقة فى تاريخ السينما المصرية.
● ماذا يعنى لكِ التكريم المهرجان العربى للمسرح؟
- لفتة طيبة منهم وتقدير لتاريخى الفنى والمسرحى وتكريم أسعدنى جداً، وحصلت على تكريمات من دول عربية عدة، مثل تونس والمغرب والعراق ولبنان، إضافة إلى التكريم من المهرجان القومى للمسرح والتلفزيون المصرى، ومهرجانات السينما، هذه التكريمات تمثل تقديراً لمسيرة طويلة.
● ما المحطة الأهم فى مشوارك الفنى؟
- أرى أن أهم محطة فى حياتى لم تكن فنية بحتة، بل كانت قراراً مصيرياً اتخذته حين توقفت عن التمثيل مؤقتاً، واتجهت إلى الدراسة الأكاديمية، حصلت على درجتى الماجستير والدكتوراه فى المسرح، أثناء عملى معيدة فى المعهد العالى للفنون المسرحية، ثم أصبحت عضو هيئة تدريس، هذه المرحلة منحتنى عمقاً فكرياً ومعرفياً، وجعلتنى أرى الفن من منظور أشمل، قبل أن أعود مجدداً إلى التمثيل والتأليف، وأنا أكثر وعياً برسالة الفن ودوره فى المجتمع.
● كيف ترين حال المسرح فى الوقت الحالى؟
- بصراحة شديدة، لا أرى وجوداً حقيقياً للمسرح فى الوقت الراهن، باستثناء بعض التجارب القليلة، وعلى رأسها عرض «الملك لير» للفنان الكبير يحيى الفخرانى على خشبة المسرح القومى، بخلاف ذلك يغيب المسرح عن المشهد الثقافى والفنى بصورة مؤلمة.
● وما أسباب هذا التراجع؟
- الأسباب متعددة، لكنها ترتبط بالظروف العامة التى تمر بها الدولة والمنطقة ككل، فى ظل الحروب المحيطة والتحديات الاقتصادية، التى تفرض أولويات معيشية ضاغطة، فى مثل هذه الأوضاع، يصبح الإنفاق على الفنون، وخاصة المسرح، أمراً مؤجلاً، كما أن الحالة الاقتصادية العالمية أثّرت بقوة على الإعلام والفن، وأصبح التلفزيون يقدم وجوهاً جديدة باستمرار، دون صناعة حقيقية لـ«السوبر ستار»، كما كان يحدث فى السابق.
● ما المعايير التى كنتِ تعتمدين عليها للموافقة على عمل مسرحى أو درامى؟
- كنت أحرص دائماً على أن يكون العمل هادفاً، يناقش القضايا الأسرية والاجتماعية، وأن تكون الدراما فى خدمة المجتمع، وفى الوقت ذاته، لا أرى بأساً فى تقديم الأعمال الترفيهية والكوميدية، فالكوميديا ليست عيباً، طالما كانت محترمة وتحمل رسالة.
● جمعتِ بين العمل الأكاديمى والفنى، كيف وازنتِ بينهما؟
- الأمر لم يكن صدفة، بل كان تخطيطاً دقيقاً لحياتى، كنت أرتب مواعيدى مسبقاً مع المخرجين، وكانوا يقدرون طبيعة عملى الأكاديمى والتزاماتى فى المعهد، خاصة بعد عودتى من البعثة، تعاونت مع كبار المخرجين مثل حسين كمال، ومحمد راضى، وعاطف الطيب، وكنت أقسم وقتى بوضوح، ثلاثة أيام للتدريس فى المعهد، وأربعة أيام للعمل الفنى.
● ما الذى تحرصين على غرسه فى طلابك؟
- أحرص على أن يدرك طلابى أن الفن رسالة قبل أن يكون وسيلة للربح، الفنان يؤدى دوراً وطنياً لا يقل أهمية عن دور الجندى أو المعلم، وعليه أن يشعر بمسئوليته تجاه المجتمع، كما أؤكد دائماً على ضرورة امتلاك الفنان لثقافة تاريخية واجتماعية واسعة، حتى يتمكن من فهم النصوص، وتحليل الأدوار، وتقديم أداء صادق ومؤثر.
● هل ترين أن الدراسة الأكاديمية ضرورية لنجاح الفنان؟
- ليست شرطاً أساسياً، لكن الأهم ألا يكون الفنان «جاهلاً» هناك فنانون كبار لم يتخرجوا فى المعاهد الفنية، مثل يحيى الفخرانى، وعادل إمام، وصلاح السعدنى، ومحمود عبدالعزيز، ومع ذلك نجحوا نجاحاً كبيراً، لأنهم اجتهدوا فى تثقيف أنفسهم بالقراءة فى الأدب والشعر والمسرح، الموهبة عنصر أساسى، وقد لعبت دوراً كبيراً فى اكتشاف عدد من الفنانين، من بينهم أحمد عز، رغم أنه لم يكن خريج معهد، وكذلك أحمد حلمى، الذى كان يدرس فى قسم الديكور بالمعهد، وقدمتُه للجمهور كفنان موهوب.
● كيف تقيمين خريجى المعاهد الفنية اليوم؟
- لا أحد يستطيع تقييمهم بشكل قاطع، لأن الموهبة هى الفيصل الحقيقى، لا توجد «واسطة» فى الموهبة، فمن يفتقدها لن يصمد، حتى لو تم الدفع به فى البداية. الجمهور وحده هو الحكم النهائى.
● كيف ترين صورة المرأة فى الأعمال الفنية الحالية؟
- للأسف، أراها صورة سيئة ومشوهة، لا تعكس حقيقة المرأة المصرية ولا الأجواء العائلية الأصيلة، نحن فى حاجة إلى مراجعة جادة وقوية لكيفية تقديم المرأة على الشاشة.
● هل واجهتِ تحديات لكونك امرأة فى الوسط الفنى؟
- لم أواجه تحديات تُذكر، لأن من قدمونى للأعمال الفنية كانوا أساتذتى فى المعهد، كما أن مخرجى السينما كانوا يأتون إلى المسرح لاكتشاف المواهب، وبعد تعاونى مع المخرج حسين كمال فى ثلاثة أعمال، انطلقت مسيرتى بشكل طبيعي.
● كيف تنظرين إلى الجيل الجديد من الفنانين؟
- أجد صعوبة فى التفرقة بينهم لكثرتهم الشديدة، فهناك الموهوب حقاً، وهناك من هو متوسط المستوى.
● ما النصيحة التى تقدمينها لفنانى الجيل الجديد؟
أن يجتهدوا، وأن يأخذوا الدراسة بجدية، فالزمن الحالى لا يعترف ألا بالمجتهد، المنافسة أصبحت شرسة، ومن لا يثبت نفسه سريعاً قد يقدم عملاً أو اثنين، ثم يختفى.
● من أكثر المخرجين الذين تأثرتِ بهم فى مشوارك الفنى؟
- خلال مسيرتى الفنية تأثرت بالعديد من المخرجين الكبار الذين كان لكلٍ منهم بصمة واضحة فى تشكيل وعى الفنى وصقل تجربتى، وكان للمخرج كمال ياسين نقطة التحول الأهم فى حياتى، إذ كان صاحب الفضل فى اكتشافى وتقديمى للجمهور، كما أن المخرج نبيل الألفى والمخرج حسن عبدالسلام، اللذين أسهما فى إثراء تجربتى المسرحية والفنية بشكل عام.
أما فى مجال السينما، فقد كان التعاونى مع كبار المخرجين أثر بالغ فى تكوينى الفنى، ومن أبرزهم المخرج حسين كمال، والمخرج عاطف الطيب، والمخرج محمد راضى، الذين قدموا أعمالاً سينمائية عميقة وذات رؤية إنسانية وفنية مميزة، وفى الدراما التلفزيونية، تأثرت بشكل خاص بالمخرج نور الدمرداش والمخرج فايز حجاب.
● من النجوم الذين تتلمذوا على يديكِ وقدمتها للجمهور؟
- قمت بتدريس وتدريب عدد كبير من الفنانين الذين أصبحوا لاحقاً من أبرز نجوم الساحة الفنية، ومن بين هؤلاء الفنانين خالد النبوى، وإلهام شاهين، وطارق لطفى، ومحمد رياض، وأحمد حلمى، وروجينا، وسوسن بدر، وماجد الكدوانى، وحرصت على دعمهم وتقديمهم للجمهور بشكل يليق بموهبتهم.
● مَن مِن تلاميذكِ لا يزال على تواصل معك حتى الآن؟
- هناك عدد من تلاميذى لا يزالون على تواصل دائم معى، على رأسهم الفنان خالد النبوى، الذى يحرص على الاطمئنان على باستمرار، حتى فى فترات سفره خارج البلاد، كما يحرص دائما وابدا على زيارتى، وخلال عيد الأم من كل عام يزورنى ويقديم هدية لى تعبيراً عن تقديره وامتنأنه لها.
كما أن الفنان أشرف زكى، نقيب الممثلين، يتواصل معى بشكل دائم، وهو نموذج للنقيب الإنسانى الذى يتعامل بروح الأب مع جميع الفنانين، سواء كانوا من كبار النجوم أو من الشباب، ويقف دائماً بجانب الضعيف ويدافع عن حقوق الجميع.
وكذلك الفنان أحمد حلمى لا يزال يذكرنى بكل تقدير فى لقاءاته التلفزيونية والصحفية، ويؤكد دائماً أننى صاحبة الفضل فى تقديمه للجمهور.
● ما الذى تحلم به الفنانة سميرة محسن فنياً؟
- أكتفيت بما قدمته، واعتزلت التمثيل منذ أربع سنوات، وأوقفت البطاقة الضريبية، وتفرغت للتدريس، لم يعد هناك من يكتب أدواراً مناسبة للأعمار الكبيرة، ولن أقبل تقديم أدوار ضعيفة تسىء إلى اسمى، الرحيل فى قمة الاحترام أفضل بكثير من الاستمرار فى أعمال لا تليق بتاريخى.