نظرة أمل
لم يعد ما يدور بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد أزمة إقليمية قابلة للاحتواء عبر أدوات الدبلوماسية التقليدية، نحن أمام لحظة مفصلية فى تطور النظام الدولى، لحظة تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتلامس جوهر الصراع على توزيع القوة فى العالم.
العالم الذى لم يلتقط أنفاسه بعد من تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، يجد نفسه أمام جبهة جديدة لا تقل خطورة، لم تعد الساحات منفصلة كما كانت فى العقود السابقة، فكل اشتعال فى الخليج ينعكس على توازنات أوروبا الشرقية، وكل تصعيد فى الإقليم يقرأ فى ضوء التنافس الأمريكى الصينى فى آسيا.
واشنطن تنظر إلى المشهد باعتباره جزءاً من معركة أوسع للحفاظ على موقعها القيادى فى النظام الدولى، تحجيم القدرات الإيرانية لا يرتبط فقط بأمن إسرائيل بل يتصل بإعادة تأكيد النفوذ الأمريكى فى منطقة تعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية المسألة بالنسبة لها تتجاوز حدود الصراع الثنائى بل تتعلق بصورة القوة الأمريكية ذاتها.
إسرائيل تتحرك ضمن عقيدة أمنية راسخة تقوم على منع تشكل تهديد استراتيجى مكافئ فى تقديرها، الانتظار حتى اكتمال عناصر الردع لدى الخصم مخاطرة لا يمكن تحملها، لذلك يصبح العمل الاستباقى جزءاً من هندسة الأمن القومى لا مجرد خيار تكتيكى.
أما إيران فتعتمد مقاربة مختلفة تقوم على مراكمة عناصر الردع غير التقليدى، هى تدرك حدود قدرتها فى مواجهة مباشرة، لكنها تراهن على رفع كلفة أى استهداف محتمل عبر أدوات متعددة: صواريخ بعيدة المدى، نفوذ إقليمى، وموقع جغرافى يتحكم فى أحد أهم معابر الطاقة فى العالم.
لا يمكن قراءة هذا الصراع بمعزل عن التفاعلات الكبرى، موسكو المنخرطة فى حربها الأوروبية ترى فى طهران شريكاً مهماً فى مواجهة الضغوط الغربية، أى إضعاف لإيران يفهم فى روسيا باعتباره امتداداً لاستراتيجية تطويق أوسع.
فى المقابل تعمل الولايات المتحدة على إعادة بناء شبكة تحالفات قادرة على احتواء كل من روسيا والصين ومنع تشكل محور أوراسى متماسك، أما الصين فتتحرك بحذر محسوب، أمن الطاقة وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز يمثلان أولوية قصوى لها، وإيران تشكل عقدة مركزية فى مشروعها العابر للقارات، خاصة مع تراجع نفوذها النسبى فى فنزويلا.
موقع مصر الجغرافى وثقلها السياسى وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف يمنحها قدرة على التحرك كصوت عأقل.
مصر لن تنحاز لطرف بقدر ما ستنحاز إلى استقرار المنطقة ومنع انهيارها، لأنها تدرك أن الانفجار لن يقتصر أثره على أطراف المعركة بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمى وأمن الممرات الحيوية وسيضاعف من أعباء الإقليم بأسره.. وللحديث بقية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض