لا تتوقف الدولة المصرية لحظة عن دعم القضية الفلسطينية، وكل يوم تثبت أنها اللاعب الرئيسى والأكثر تأثيراً فى القضية، ويعكس ذلك البيان الصادر عن اجتماع الفصائل والقوى الفلسطينية بـ«القاهرة» يوم 14 يناير الجارى، والذى جاء بدعوة من مصر، استكمالاً لجهود الأشقاء الوسطاء فى مصر وقطر وتركيا لاستكمال مراحل اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع «غزة» ومعالجة تداعيات الحرب على «غزة»، لتوحيد الرؤية الوطنية الفلسطينية للدفع ببدء استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع «غزة».
الاجتماع أكد على جهود مصر مع الوسطاء فى إتمام اتفاق الهدنة ودخول مرحلتها الثانية، ويعيد التأكيد على حقيقة راسخة فى معادلات الإقليم، مفادها أن مصر لا تزال – وستظل – اللاعب الأكثر تأثيراً ونزاهة فى ملف القضية الفلسطينية، كما أن مخرجات الاجتماع لم تكن مجرد تفاهمات عابرة أو بيانات سياسية تقليدية، بل مثلت خارطة طريق واقعية لإنقاذ قطاع غزة من دوامة الحرب والدمار، وربط التهدئة بالمسار التنموى والسياسى، وهو ما يعكس إدراكاً مصرياً عميقاً لطبيعة الصراع وتعقيداته، واعتراف الفصائل الفلسطينية بجهود الوسطاء، وعلى رأسهم مصر، فى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، يعكس ثقة فلسطينية وطنية كاملة فى الدور المصرى، ترسخت عبر عقود من المواقف الثابتة التى لم تتغير بتغير الإدارات أو تبدل الحسابات الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، قدرتها على إدارة الملفات الشائكة بمنطق الدولة العاقلة، التى توازن بين ضرورات الأمن القومى المصرى، وواجباتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، فالقاهرة لم تنحز يوماً لمنطق التصعيد، ولم تتاجر بالدم الفلسطينى، بل عملت دوماً على حقن الدماء، وفتح مسارات سياسية حقيقية تبقى على جوهر القضية حيا.
ويعد التوافق على العمل مع مجلس السلام واللجنة التنفيذية الدولية للإشراف على إعادة إعمار غزة، انتصاراً واضحاً للرؤية المصرية التى طالما نادت بأن الاستقرار الحقيقى لا يتحقق إلا بالتنمية، وأن وقف إطلاق النار لا يكتمل دون إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وقد وضعت مصر إمكاناتها وخبراتها فى هذا المسار دون شروط، انطلاقاً من مسئوليتها الأخلاقية والتاريخية تجاه الأشقاء فى غزة.
كما حمل بيان الاجتماع رسائل سياسية غاية فى الأهمية، أبرزها التأكيد على وحدة النظام السياسى الفلسطينى، فى مواجهة مخططات ضم الضفة الغربية والتوسع الاستيطانى، فالقاهرة تدرك أن قوة الموقف الفلسطينى تنبع من وحدته، وأن الانقسام هو الثغرة الأوسع التى ينفذ منها الاحتلال لفرض أمر واقع جديد، وهو ما يفسر الجهود المصرية المضنية لتقريب وجهات النظر وتجاوز الانقسامات فى هذه المرحلة الحرجة.
وما تحقق فى القاهرة ليس حدثاً منفصلاً، بل تجسيد عملى لسياسة مصر الرشيدة التى تعتمد على الفعل لا القول، وعلى بناء التحالفات لا إدارة الصراعات، فتنسيق الجهود مع الأشقاء فى قطر وتركيا، تحت مظلة القيادة المصرية، أسفر عن رؤية شاملة للحل، تعكس إدراكاً جماعياً بأن القضية الفلسطينية لا تحتمل مزيداً من المناورات أو إطالة أمد الصراع.
إن الدور المصرى اليوم يتجاوز حدود الوساطة التقليدية، ليؤكد أن القاهرة لا تزال حجر الزاوية فى أى معادلة إقليمية عادلة، وأن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من بوابة فلسطين، ويمر حتماً عبر مصر، ويبقى التحدى الأكبر أمام المجتمع الدولى هو الانتقال من مربع البيانات إلى مربع الفعل، والضغط الجاد على إسرائيل لتنفيذ مراحل الاتفاق، وفتح أفق سياسى حقيقى يفضى فى النهاية إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.