الزاد
جاء القرار الأمريكى بتصنيف جماعة الإخوان فى مصر والأردن ولبنان كجماعة إرهابية ليشكل نقطة فاصلة فى مسار التعامل الدولى مع هذا التنظيم، الذى ظل لعقود يقدم نفسه بوجه سياسى علنى، بينما تتحرك بنيته الحقيقية فى مسارات موازية قائمة على العنف وزعزعة الاستقرار واختراق مؤسسات الدول.
القرار، الذى وصف بأنه الضربة القاضية للتنظيم، لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان تتويجاً لتراكم طويل من الأدلة والتجارب، كشفت طبيعة الدور الذى لعبته الجماعة فى عدد من الدول، سواء عبر التحريض المباشر، أو من خلال دعم التنظيمات المتطرفة، أو توظيف الخطاب الدينى لتحقيق أهداف سياسية على حساب استقرار المجتمعات.
فى مصر، قوبل القرار الأمريكى بارتياح واسع، لم يقتصر على المستوى الرسمى فقط، بل امتد إلى الشارع المصرى الذى تابع عن قرب ممارسات الجماعة، ودفع ثمن محاولاتها المستمرة لإرباك الدولة وإشاعة الفوضى. فالقاهرة كانت قد سبقت المجتمع الدولى بخطوة حين صنفت الإخوان جماعة إرهابية ومحظورة، استناداً إلى سجل طويل من العنف السياسى، والاغتيالات، والتحريض، ومحاولات تقويض مؤسسات الدولة الوطنية.
وتكشف التجربة المصرية أن الخطر الحقيقى لتنظيم الإخوان لا يكمن فقط فى أفعاله المباشرة، بل فى بنيته الفكرية التى تشرعن العنف حين يتعارض مع مصالح التنظيم، وتتعامل مع الدولة باعتبارها كياناً مؤقتاً يمكن اختراقه أو إسقاطه متى سنحت الفرصة. وهى الرؤية ذاتها التى انعكست فى تجارب أخرى بالمنطقة، حيث تحولت الجماعة إلى عبء أمنى وسياسى على الدول التى سمحت لها بالتحرك تحت لافتات العمل الدعوى أو السياسى.
القرار الأمريكى يحمل دلالات أوسع من مجرد تصنيف قانونى، فهو رسالة واضحة بإعادة قراءة ملف الجماعات العابرة للحدود، والتفريق بين العمل السياسى المشروع، والتنظيمات التى تستخدم الديمقراطية كأداة مؤقتة للوصول إلى السلطة، ثم تنقلب عليها. كما يعكس إدراكاً متأخراً، لكنه مهم، لحقيقة أن التسأهل مع مثل هذه التنظيمات لا ينتج استقراراً، بل يفتح الباب لمزيد من التطرف والفوضى.
وفى قراءة أعمق لخلفيات القرار الأمريكى، يتضح أنه لم يصدر من فراغ، ولا بدافع سياسى عابر، بل جاء نتيجة تراكم طويل من المعطيات الأمنية والاستخباراتية، وفشل رهانات سابقة على جماعة الإخوان باعتبارها تنظيماً يمكن دمجه أو احتواؤه داخل المنظومة السياسية. فقد كشفت التجارب المتتالية، خاصة بعد عام 2011، أن الجماعة تستخدم العمل السياسى كقناع لا كقناعة راسخة، وأن ولاءها التنظيمى العابر للحدود يتقدم دائماً على مفهوم الدولة الوطنية. كما أظهرت الوقائع على الأرض أن الجماعة لم تكتف بالتحريض أو الخطاب التعبوى، بل مارست العنف بشكل مباشر وحرصت على تنفيذه حين تعارضت مصالحها مع استقرار الدولة، مستندة إلى بنية تنظيمية مغلقة تبرر استخدام القوة كأداة سياسية. إلى جانب ذلك، لعب تغير المناخ الدولى، وتصاعد المخاوف من الجماعات الأيديولوجية العابرة للحدود، وضغوط الحلفاء الإقليميين الذين خاضوا مواجهات فعلية مع التنظيم، دوراً حاسماً فى إعادة تقييم الموقف الأمريكى. وبات واضحاً أن تعريف الإرهاب لم يعد يقتصر على من يحمل السلاح فقط، بل يشمل أيضاً من يمارس العنف، أو يخطط له، أو يوفر له الغطاء الفكرى والتنظيمى، أو يوظف العمل السياسى كمرحلة مؤقتة للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب على قواعدها. من هنا، يمكن فهم القرار الأمريكى باعتباره اعترافاً متأخراً بحقيقة تنظيم ظل طويلاً محاطاً بالالتباس، لكنه فى جوهره يمثل مشروعاً أيديولوجياً مغلقاً، يتعارض بطبيعته مع الاستقرار، ويشكل تهديداً مباشراً للدول والمجتمعات، وهو ما جعل تصنيفه خطوة ضرورية، وإن جاءت بعد سنوات من التغاضى.
فى المحصلة، فإن ما حدث يمثل انتصاراً لمفهوم الدولة الوطنية، ويعيد الاعتبار لسياسات المواجهة التى انتهجتها مصر منذ سنوات، دفاعاً عن أمنها القومى واستقرارها الداخلى. وهو أيضاً تذكير بأن محاربة الإرهاب لا تكتمل إلا بتجفيف منابعه الفكرية والتنظيمية، وعدم منح غطاء سياسى أو دولى لتنظيمات ثبت بالتجربة أنها لا تؤمن إلا بمصالحها، ولو كان الثمن أمن الأوطان.