سبوبة الكشف الطبى
أولياء الأمور مجبرون على الدفع دون حماية حقيقية للاعبين
تعانى منظومة الكشف الطبى للاعبين من خلل هيكلى تجاوز حدود الإهمال الإدارى، بعدما تحول الإجراء المفترض لحماية صحة اللاعبين إلى عبء مالى ضخم تتحمله الأسر، دون أن ينعكس ذلك على مستوى الأمان داخل الملاعب، تكرس هذا الخلل بوضوح داخل الألعاب الفردية والجماعية فقد تحول الكشف الطبى من إجراء وقائى إلى أداة تحصيل مالى إلزامى بلا ضوابط.
فرضت منظومة القيد والبطولات الكشف الطبى كشرط أساسى للمشاركة، لكن التطبيق الفعلى أفرغ هذا الشرط من مضمونه الصحى، وحوله إلى مسار إدارى شكلى، تستخرج من خلاله شهادة لياقة مقابل مبالغ متزايدة، دون وجود معايير موحدة للفحوصات، أو شفافية فى التسعير، أو متابعة طبية حقيقية بعد إصدار الشهادة.
أكد ناقد رياضى فى تصريح خاص لـ«الوفد»، أن ما يجرى داخل منظومة الكشف الطبى لا يمت للطب بصلة بقدر ارتباطه بالإدارة الورقية، موضحاً أن الشهادة الطبية أصبحت أداة قانونية لتبرئة المسئولية، أكثر من كونها وسيلة لاكتشاف المخاطر الصحية، وأشار إلى أن غياب بروتوكول وطنى موحد، وتعدد الجهات المنفذة، وترك الأسعار دون رقابة، خلق سوقاً مغلقة يجبر فيها ولى الأمر على الدفع، دون أن يحصل اللاعب على منظومة رعاية صحية حقيقية تتناسب مع طبيعة اللعبة.
وأوضح الناقد أن رياضة الجمباز تمثل الحالة الأكثر وضوحاً للاستغلال، نظراً لاتساع قاعدة الممارسين من الأطفال والناشئين، وإعادة الكشف الطبى كاملاً فى فترات زمنية قصيرة، بالمستندات نفسها، وداخل جهات محددة بعينها، دون مبرر طبى، معتبراً أن هذا النمط لا يخدم السلامة، بل يضرب مصداقية أى حديث رسمى عن حماية اللاعبين.
عبر أولياء الأمور عن غضبهم من ارتفاع تكلفة الكشف الطبى مقارنة بما يقدم فعلياً، مؤكدين أن أغلب الإجراءات تجرى بشكل سريع وشكلى، دون شرح، أو تقييم متخصص، أو اطلاع الأسرة على نتائج حقيقية، وأشاروا إلى أن الالتزام بالدفع يتم تحت ضغط الخوف من حرمان الأبناء من القيد أو البطولات، لا عن اقتناع بجودة الخدمة.
قال ولى أمر لاعب جمباز إن الأسرة تفاجأ كل موسم بطلب كشف جديد بالمستندات نفسها، وبقيمة أعلى، دون إيصالات تفصيلية أو توضيح لما تم دفعه، موضحاً أن اللاعب لا يخضع لفحص، ثم يحصل على الشهادة المطلوبة، ما يحول الإجراء إلى مجرد توقيع وختم.
وأضافت ولية أمر لاعبة جمباز أن الكشف الطبى أصبح بنداً إجبارياً لا يقبل النقاش، رغم أنه يلتهم جزءاً كبيراً من ميزانية الأسرة، مؤكدة أن غياب البدائل الحكومية، أو تخفيف العبء عن الأسر، جعل المشاركة فى البطولات عبئاً نفسياً ومالياً، لا علاقة له بتشجيع الرياضة أو اكتشاف الموهوبين.
ولم تتوقف خطورة هذا الخلل عند الاستنزاف المالى فقط، بل امتدت إلى سلامة اللاعبين أنفسهم، فقد كشفت السنوات الأخيرة عن تصاعد ملحوظ فى الإصابات الجسيمة وحالات الإغماء والوفاة المفاجئة داخل الألعاب الفردية، بين لاعبين استوفوا كامل إجراءات الكشف الطبى، وحصلوا على شهادات لياقة معتمدة، ما أكد أن المشكلة لا تكمن فى وجود الكشف، بل فى مضمونه وطريقة تطبيقه.
ارتبطت وقائع السقوط المفاجئ والإصابات القلبية والعضلية بلاعبين مارسوا ألعاباً تعتمد على مجهود بدنى عنيف وضغط عصبى مرتفع، دون أن يخضعوا لفحوصات دقيقة تتناسب مع طبيعة هذه الألعاب.
ربط مدرب رياضى بين تكرار الإصابات الخطيرة وفشل منظومة الكشف الطبى، مؤكداً أن الاكتفاء بفحوصات عامة وسريعة لا يمكنه اكتشاف المشكلات القلبية الخفية أو الإجهاد المزمن أو العيوب العضلية، موضحاً أن ما يحدث هو تمرير إدارى للاعب، لا تقييم طبى حقيقى لحالته الصحية.
عزز أولياء الأمور هذا الربط، مؤكدين أن صدمات الإصابات الخطيرة أو الوفيات داخل الملاعب كشفت زيف الاطمئنان الذى تمنحه الشهادة الطبية، وأشار أحدهم إلى أن الأسرة دفعت مبالغ كبيرة لاستخراج شهادة لياقة، قبل أن يتعرض اللاعب لإصابة خطيرة كشفت لاحقاً عن مشكلة صحية لم يتم رصدها خلال الكشف.
أكدت ولية أمر لاعبة جمباز أن ابنتها التزمت بكل المتطلبات الطبية والإدارية، لكنها تعرضت لإصابات متكررة أنهت مشوارها الرياضى مبكراً، مشيرة إلى أن الكشف الطبى لم يتضمن أى تقييم متخصص يتناسب مع طبيعة اللعبة، رغم الالتزام الكامل بكل ما طلب من الأسرة.
كشف هذا الواقع أن منظومة الكشف الطبى، بصورتها الحالية، لا تحمى اللاعب بقدر ما تحمى المسئول من المساءلة، عبر ورقة مختومة تثبت استيفاء الإجراءات، دون ضمان أن الفحص كان كافياً أو مناسباً، وتحولت الشهادة الطبية من خط دفاع أول عن صحة اللاعب إلى إجراء شكلى لا يمنع إصابة ولا يوقف مأساة.