(خارج السرب)
تحظى الصومال، درَّة القرن الأفريقى، بأهمية استراتيجية عظمى بسواحلها الممتدة على المحيط الهندى وخليج عدن، وحتى باب المندب، بالإضافة إلى امتلاكها عددًا من الموانئ المهمة، جعل منها مركزاً لوجيستياً لا مثيل له للتجارة العالمية، وجعلها فى الوقت نفسه مثارًا للأطماع عبر تاريخها الطويل ما بين الدول العظمى وكذلك الدول الإقليمية التى تسعى حثيثًا لوضع موطئ قدم للسيطرة -أو قل لتأمين وجود استراتيجى- يؤمِّن مصالحها التجارية أو استخدامها على الأقل كورقة للمساومة سياسياً فى سبيل الحصول على مكاسب استراتيجية فى المقابل.
وتندرج تلك الأهمية توالياً على إقليم «صومالى لاند» الذى يقع على شاطئ خليج عدن وبالتحديد فى شمال الصومال بأهمية استراتيجية عظمى، فهو بلا شك يحتل موقعًا بالغ الحساسية حيث يشرف على 460 ميلًا على طول خليج عدن، ما يجعله البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب، الذى يمر عبره ما يقرب من ثُلث التجارة البحرية العالمية سنوياً، بما فى ذلك سفن الطاقة الحيوية من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، لذا لا يُعد هذا الممر المائى مجرد طريق تجارى، بل عنق زجاجة يعد السيطرة عليه أمراً ذا تداعيات اقتصادية عالمية.
كان من الطبيعى -والوضع هكذا- أن ينشب سباق محموم، تسعى خلاله كل دولة لوضع موطئ قدم فى هذه المنطقة الاستراتيجية تحديدًا، كلٌ له أسبابه لبسط السيطرة والنفوذ، من خلال تشجيع الحركات الانفصالية على طريقة «فرق تسُد» للظفر بجزء من «التورتة الصومالية» فى إطار مؤامرات الدول الطامعة وأجهزة مخابراتها وفى الصدارة منها إسرائيل وإثيوبيا.
بالنسبة لإثيوبيا، الدولة غير الساحلية، توفر «صومالى لاند» لها مدداً بحرياً لا مثيل له يؤمِّن طريقها إلى الاستقلال البحرى من خلال ميناء بربرة، الذى تم تطويره ليتسع لنحو 500 ألف حاوية سنوياً، ويرتبط عبر خطوط سكك حديدية مقترحة بالداخل الإثيوبى، ما يقلل من اعتماد أديس أبابا الخطير على جيبوتى فى جميع تجارتها الدولية تقريبًا، كما أبرمت إثيوبيا اتفاقًا، فى مطلع عام 2024، يمنحها حق إنشاء ميناء تجارى وقاعدة عسكرية فى الإقليم ما يجعل «صومالى لاند» مفتاح رؤية إثيوبيا لتصبح قوة بحرية فى البحر الأحمر بقدرات بحرية مستقلة.
أما إسرائيل، فيمنح الاعتراف بصومالى لاند موطئ قدم لها على الضفة الجنوبية لمضيق باب المندب ما يتيح لها إمكانية الوصول إلى موانئ البحر الأحمر وبناء أهداف استخبارية ولوجيستية مكملة لوجودها غير المعلن فى إريتريا ويفتح كذلك الباب أمام مخطط تهجير الفلسطينيين للصومال، كما أن هذه الخطوة توسِّع عمق إسرائيل الاستراتيجى من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقى، وتحول البحر الأحمر إلى منصة يمكن من خلالها الرد بشكل أكثر فاعلية على إيران والحوثيين.
وسط هذا التسابق المحموم الإثيو - سرائيلى فى «صومالى لاند»، يضع مصر فى مواجهة مباشرة إزاء تلك المطامع التى تهدد مصالحها عبر مضيق باب المندب والذى يؤثر بشكل أو بآخر على أهم ثرواتها -وأعنى قناة السويس- مع تزايد نفوذ الدول المناوئة لها، فكان لا مفر من تعزيز وجودها فى منطقة القرن الأفريقى، من خلال عقد اتفاقية دفاعية مع الصومال تأتى فى إطار تقوية الدور المصرى واستعادة التوازن الاستراتيجى لها فى تلك المنطقة الحيوية دفعًا لأى خطر مستقبلى قد يأتى إثر تعاظم نفوذ كل منهما.
إن خطورة الاعتراف «الإثيو- سرائيلى» بصومالى لاند لا تأتى فقط بسبب انتهاك وحدة الدولة الصومالية الشرعية وإنما فى سعى كل منهما إلى تكريس الانفصال عبر الاعتراف بكيان سياسى منشق داخل حدود الصومال، كما أن ذلك الاعتراف يعتبر سابقة قانونية وسياسية فى القارة الأفريقية بشأن التعامل مع الكيانات الانفصالية، وهو ما يزيد تعقيد أى رؤية فى المستقبل لإعادة توحيد الصومال وغيرها من الدول الأفريقية.
إذن، فهو ليس مجرد اعتراف بكيان انفصالى، بل خطوة استراتيجية لها ما وراءها فى تعزيز النفوذ وتحقيق الأهداف التوسعية وتأمين منافذ لتلك الدولتين المناوئتين لمصر، مصر التى شاء قدرها -تاريخياً وجغرافياً- أن تجابه الأخطار من كل حدب وصوب وأن تخوض حربًا وراء أخرى لتحمى مصالحها فى عالم يموج بالصراعات ولا يعترف سوى بالقوة، والقوة وحدها.