تأملات
كثيرون يعتقدون ولديهم الكثير من الحق، أن سياسات الرئيس الأمريكى ترامب تسهم بشكل كبير فى تقويض النظام الدولى، غير أن عملية «اختطاف»–وليس القبض أو اعتقال–الرئيس الفنزويلى مادورو التى جرت السبت الماضى بما صاحبها من ذهول واسع سواء على مستوى ردود أفعال الأفراد العاديين أو حتى الدول، يكشف عن أن ترامب أمعن فى مواقفه التى تعزز هذا التصور للحد الذى يفوق الوصف لحد يمكن اعتبار ما قام به اختطافًا للعدالة الدولية وليس اختطافًا لمادورو فقط.
كثيرون أيضًا، ولديهم بعض الحق، يتصورون أن جوهر سياسات ترامب التى تنطلق من الإيمان بالقوة واعتمادها كأداة وحيدة أمر ليس بجديد، وأن فكرة أن القوة هى التى تحكم النظام الدولى فكرة بديهية منذ القدم، وأن ذلك يمتد ليسرى على العلاقات الإنسانية أيضا.
النظر بدقة لطبيعة الموقفين فى سياق التطورات الحاصلة على صعيد قضية فنزويلا يكشف عن أن لا تناقض بينهما سوى فى الدرجة. فإذا كان «الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية» كما ذهب لينين فى كتابه الذى حمل هذا العنوان، فإن سياسات ترامب، تمثل أعلى مراحل اعتماد القوة على مستوى النظام الدولى فيما بعد الحرب العالمية الثانية، على نحو يجعلنا نشير إلى أنه لا يبتقى بعد هذا النمط من الاستخدام سوى التحول إلى الفوضى فى العلاقات الدولية.
أعتقد أنه لا يوجد أحد لديه قدر من الجدية فى موقفه يمكن أن يشكك فى أنه ليس من حق «ترامب– الولايات المتحدة» القيام بما قامت به بشأن اختطاف مادورو، فيما قد يعتبر تطبيقا لمبدأ جديد كل الجدة يشرعه ترامب ربما يمكن وصفه كما ذهب البعض، بـ«القضاء العابر للحدود»، ورغم ذلك فإن العملية لم تثر ما كان يجب أن تثيره من رفض يتوافق حتى مع المبادئ التى يعبر عنها ميثاق الأمم المتحدة. لقد نصبت واشنطن نفسها الخصم والحكم فى مواجهة مادورو–فنزويلا، وتنوعت تهديدات ترامب بعد أن أغرته سهولة العملية ليصنع صورة تبدو معها الولايات المتحدة وكأنها شرطى العالم.
تبدو المفارقة أكثر وضوحًا إذا قارننا ما حدث مع مادورو بالموقف من نتانياهو، والذى صدر بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية والتى تمثل المؤسسة الدولية المكلفة بتطبيق القانون بين الدول، ورغم ذلك فإن الواقع يقرر أن الحكم لا يتجاوز كونه حبرًا على ورق، فرئيس الوزراء الإسرائيلى يتحرك كيفما يشاء ووقتما يشاء دون كثير خوف أو وجل من اعتقال أو ما شابه. الملفت للنظر أكثر أن ترامب الذى عين نفسه قاضيًا دوليًا يمارس سابقة اختطاف رئيس يستقبل نتنياهو فى بلاده استقبال الفاتحين.
خبر صغير حملته الأنباء يعزز الفكرة التى نود أن نشير إليها يتعلق بمطاردة الولايات المتحدة لسفينة نفط فنزويلى متجهة لأوروبا غير أن ما يجعلها تفكر قبل اتخاذ موقف هو أنها غيرت علمها ليصبح العلم الروسى.
بكل المقاييس فإن حدث اختطاف مادورو ليس حدثًا عاديًا، وإنما يمثل وبدون مبالغة زلزالًا فى العلاقات الدولية، من المؤكد أنه سيصبح علامة فارقة فى التعامل المستقبلى مع التأريخ للنظام الدولى القائم حاليًا، هو نقطة تحول من نقاط عديدة تتبلور للأخذ بهذا النظام فى سكة مغايرة غير تلك التى اعتدنا عليها منذ منتصف أربعينات القرن الماضى.
وإذا كان التاريخ مليئًا بالشخصيات التى كانت لها بصمتها فى صناعته بالسلب أو بالإيجاب، فإن ترامب، لو طال به المكوث فى الحكم على الأقل حتى نهاية فترته الحالية، لن يقل تأثيرًا عن زعامات مثل نابليون أو هتلر مع اختلاف زاوية النظر وحدود التأثير.