من يراقب التحولات الجارية فى الإقليم وبخاصة فى نطاق البحر الأحمر، يدرك أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة التشكيل السياسى والأمنى، تتجاوز منطق الأزمات المنفصلة إلى سياق أشمل يعيد رسم خرائط النفوذ ويعيد ترتيب موازين القوة. ما يحدث ليس وليد لحظة، ولا نتاج تفاعلات عفوية، بل مسار متدرج تحكمه حسابات دقيقة ومصالح متشابكة، يكون فيها الأمن القومى العربى هو الخاسر الأكبر إذا استمر التعاطى معه بمنطق رد الفعل.
التحركات الممتدة من غزة إلى سوريا ولبنان، ومن السودان إلى جنوب اليمن، ثم إلى القرن الإفريقى، تكشف عن بيئة إقليمية مضطربة يجرى فيها توظيف الانقسامات الداخلية، والصراعات المحلية، لإنتاج كيانات هشة تؤدى أدوارًا وظيفية تخدم قوى خارجية. فى هذا السياق، يبرز البحر الأحمر باعتباره إحدى أهم ساحات الصراع القادمة، ليس فقط لأهميته الاقتصادية والملاحية، ولكن لكونه بوابة مباشرة للأمن القومى المصرى والخليجى.
فى جنوب اليمن تتسارع محاولات فرض واقع سياسى جديد تحت شعارات الانفصال وإعادة إنتاج الدولة، بينما تتوارى خلف هذه الشعارات حسابات إقليمية ودولية أخطر، المشكلة لا تكمن فى المطالب السياسية بحد ذاتها بل فى السياق الذى تُطرح فيه، وفى الأطراف التى تستثمر فيها، بما يحول هذه الكيانات المحتملة إلى أدوات ضغط دائمة على دول الجوار.
الصورة ذاتها تتكرر فى الصومال، حيث تتحرك قوى انفصالية لإقامة كيان مستقل على أحد أخطر الممرات الملاحية فى العالم، أى وجود معادٍ أو مُسيس فى هذه المنطقة لا يمكن التعامل معه كقضية داخلية صومالية، بل كملف يمس جوهر الأمن القومى العربى ويهدد مباشرة مصالح دول محورية فى مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية، ما يزيد خطورة هذا المسار هو تداول معلومات موثوقة عن تفاهمات تشمل اعترافا سياسيا مقابل ترتيبات عسكرية وأمنية، بما فى ذلك إنشاء قواعد أجنبية ودمج هذه الكيانات فى تحالفات إقليمية جديدة.
وعند ربط هذه التطورات بما يجرى فى غزة من محاولات لفرض التهجير، وبما يُثار حول توسيع نطاق الصراع إقليميا، تتضح ملامح مشروع أشمل يسعى إلى فرض واقع جديد بالقوة، وتصفية قضايا مركزية فى مقدمتها القضية الفلسطينية، التصريحات الأمريكية الأخيرة التى رحبت علنا بخيارات التهجير لم تكن استثناء، بل تعبيرا عن مناخ سياسى دولى بات أكثر استعدادا لتجاوز القواعد المستقرة للقانون الدولى.
المفارقة أن هذا المشروع يمتلك رؤية واضحة وأدوات تنفيذ بينما يفتقد الجانب العربى إلى مشروع جامع قادر على المواجهة، الانقسامات العربية والصراعات البينية وغياب التنسيق الفعال وفرت بيئة مواتية لتمدد هذه المخططات دون مقاومة حقيقية، وفى ظل هذا الفراغ تتحول الأزمات المحلية إلى مداخل لتدخلات أوسع تدفع المنطقة نحو مزيد من التفكك وعدم الاستقرار.
من هنا يصبح التعامل مع ملف الصومال وتحديدا محاولات تفكيك دولته، أولوية أمنية عربية لا تحتمل التأجيل، المطلوب هو دعم الدولة الوطنية الصومالية، والحفاظ على وحدتها، ومنع أى وجود عسكرى أو سياسى أجنبى يُوظف هذا الإقليم كمنصة تهديد دائمة، تجاهل هذا الملف أو تأجيله يعنى فتح الباب أمام سيناريوهات أكثر كلفة لن تقتصر تداعياتها على دولة بعينها.
حفظ الله مصر جيشا وشعبا وقيادة.