لا شك أن القول بانتهاء دور الجماعات المتطرفة قول خاطئ وأمر فى غاية الخطورة، فمرحلة الكمون وإعادة التشكيل والتموضع هى الأخطر فى تاريخ هذه الجماعات ولابد من تحصين مجتمعاتنا بمزيد من الوعى الدينى والفكرى والوطنى، وهذه داعش تعود أو تُعاد إلى الواجهة من جديد، ولا شك أن هناك من يُسكتها متى أراد ويحركها متى لزم الأمر.
وعلينا ألا ننسى أن الغرب هو من صنع معظم الجماعات الإرهابية والمتطرفة وهو من يدعمها ويأوى كثيرا من قادتها، وهو قادر على أن يُسكتها متى شاء ويحركها متى شاء ضد من يشاء ولصالح من يشاء، وأن إعلانات حظرها لا تعدو فى الغالب أن تكون إما للضغط على هذه الجماعات لابتزازها أكثر وخنوعها أكثر وعمالتها أكثر وخيانتها لأوطانها أكثر، وإما على سبيل المراوغة بإعلان خلاف شكلى ظاهرى بين الجماعة ومن يستخدمها لخداعنا والتمويه علينا وإيهامنا بأن العلاقة قد ساءت بينهما، إما لتحقيق مصلحة سياسية غربية أو لتخفيف الضغط على الجماعة أو لتنويمنا وإيهامنا أن الجماعة قد انتهى أمرها بما يهيئ لإعادة التمكين لها وإفساح المجال أمامها لإعادة بناء نفسها ثم إعادة استخدامه لها فى الوقت المناسب.
وواهمٌ من يعتقد أن العلاقة بين الجماعات المتطرفة والغرب يمكن أن تنتهى أو تنفك بين عشية وضحاها وهم من أهم عيون وجواسيسه وأدواته بيننا.
ولا شك أن ربط أمننا بيد غيرنا هو الخطر الداهم، فأمننا الحقيقى فى اعتصامنا بالله عز وجل وتمسكنا بحبله ثم فى قوتنا ووحدة صفنا والعمل الجاد وحفاظنا على أوطاننا واستعدادنا للتضحية فى سبيلها.
ويجب أن ندرك أننا فى حاجة إلى مواجهة جادة وشاملة للفكر المتطرف والجماعات الإرهابية والمتطرفة واعتبار ذلك جزءا لا يتجزأ من أمننا القومى، فالدول تؤتى من داخلها أكثر مما تؤتى من خارجها وقبل أن تؤتى من خارجها، فلم تسقط أمة من الأمم ولا دولة من الدول عبر التاريخ إلا وكانت عمالة وخيانة بعض أبنائها أحد أهم أسباب سقوطها، مما يستوجب ترسيخ ونعزز ثقافة الولاء والانتماء الوطنى، والتأكيد المستمر على أن الحفاظ على الأوطان من صميم مقاصد الأديان، وأن من لا خير له فى وطنه لا خير فيه، مع إلقاء الضوء على النماذج الوطنية العظيمة التى أعطت وطنها وضحت فى سبيله، وبيان مصير الخونة والعملاء وكيف كان مآلهم من الذل والخزى والهوان وسوء العاقبة.
وعلينا أن ندرك أن مواجهة الجماعات والتيارات المتطرفة لا يمكن أن تكون أمنية فحسب، بل إننا فى حاجة إلى مواجهة جادة وشاملة أمنيا وفكريا وإعلاميا وثقافيا وقانونيا، مع العمل على تحصين وعى الشباب والنشء مبكرا من فكر هذه الجماعات ومحاولات اختطافها إياه من خلال كشف طبيعة هذه الجماعات وتفنيد أباطيلها وبيان أوجه عمالتها وخيانتها لأوطانها، والعمل على إيجاد حاضنة وطنية وثقافية واجتماعية ورياضية للنشء والشباب، فأهل الباطل لا يعملون إلا فى غياب أو تقصير أهل الحق، وإذا فرّط أو تهاون أهل الحق فى حقهم تمادى أهل الباطل فى باطلهم وتمسكوا به وحاولوا فرضه على أنه الحق الذى لا مراء فيه، معتمدين على وسائل مثل الإلحاح على الفكرة وتكرارها بوسائل وأساليب متعددة مع جوانب الإغراء والاستقطاب والتضليل الواسع الذى تجيده عناصر هذه الجماعات.
وألح على أهمية المواجهة الشاملة للتطرف سواء كان يمينيا يرتدى عباءة الدين أم يساريا يهدف إلى هدم المجتمعات من داخلها بأى سبيل من سبل الانحراف القيمى أو الأخلاق أو ضرب ثوابت الدين وقيم المجتمع الراسخة.
الأستاذ بجامعة الأزهر