رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

تصحيح مسار

فى فجر الثالث من يناير 2026، استيقظ العالم على أنباء لم تكن تخطر على بال أكثر المحللين جرأة، حيث نفذت قوات خاصة أمريكية عملية عسكرية خاطفة فى قلب العاصمة الفنزويلية كاراكاس، انتهت باقتياد الرئيس، نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، إلى خارج البلاد، هذه الواقعة، التى وصفتها واشنطن بأنها «عملية إنفاذ قانون»، بينما اعتبرتها كاراكاس «اختطافا وقرصنة دولية»، وضعت النظام الدولى أمام سابقة تاريخية، حيث يمثل رئيس دولة أمام قاض فى المحكمة الاتحادية بمانهاتن بملابس السجن، لتبدأ فصول محاكمة لم يسبق لها مثيل.
ولم تكن هذه الأحداث وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة تراكمات لسنوات من الصدام بين واشنطن وكراكاس، والتى تستند أمريكا فيها إلى اتهامات رسمية تعود لعام 2020، للرئيس الفنزويلى مادورو، بقيادة شبكة بزعم أنها تضم ضباطا ومسئولين كبار فى القوات المسلحة الفنزويلية، متورطين فى تهريب المخدرات والفساد السياسى، والتعاون مع جماعات مسلحة لضخ آلاف الأطنان من الكوكايين داخل الأراضى الأمريكية، بجانب عدم اعتراف واشنطن بمادورو كرئيس شرعى، بعد انتخابات 2024 المثيرة للجدل، مما أسقط عنه فى نظرها «الحصانة السيادية» التى يتمتع بها رؤساء الدول، وتحويله إلى «هارب من العدالة»، كما اتهمت الإدارة الأمريكية كاراكاس بتصدير الفوضى والعصابات الإجرامية التى تهدد الأمن الداخلى فى المدن الأمريكية.
ومن ناحية أخرى أرادت واشنطن توجيه رسائل حازمةإلى الخصوم، بأن «القوة فوق السيادة»، من خلال هذه العملية الجريئة، والتأكيد على أن نصف الكرة الغربى هو منطقة نفوذ أمريكية خالصة، وأن واشنطن لن تتسامح مع وجود أنظمة معادية فى محيطها الإقليمى أو بالقرب منها.
أما الرسالة الأقوى هى أن الحصانة الدبلوماسية لن تحمى أى زعيم تعتبره واشنطن متورطا فى أنشطة إجرامية أو تهديدا لمصالحها، من وجهة نظرها، وهى تعتبر رسالة موجهة مباشرة لزعماء فى أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، فبعد سنوات من السياسات الهادئة، أرادت الإدارة الأمريكية الحالية إثبات قدرتها على تغيير الأنظمة بالقوة المباشرة إذا لزم الأمر.
أما فنزويلا فقد قامت بدور الشرارة التى أشعلت النار، والذى كان له أثرا مباشرا فى تسريع هذه النهاية، بتحولها إلى نقطة ارتكاز ومنصة للقوى الكبرى لكل من روسيا والصين وإيران فى القارة الأمريكية، حيث سمحت بوجود استخباراتى وعسكرى لهذه الدول، مما اعتبرته واشنطن «مسمار جحا» الذى يهددها فى منطقتها، فواشنطن لم تعد ترى فى فنزويلا مجرد ديكتاتورية محلية، بل تراها «قاعدة متقدمة» للخصوم تهدد أمنها القومى.
كما ساعد على ذلك أيضا محاولة «مادورو» استخدام سلاح النفط والاحتياطيات النفطية الهائلة كأداة للمساومة السياسية، مع توجيه الصادرات نحو الخصوم الآسيويين بدلا من المصافى الأمريكية، لامتلاك فنزويلا أكبر احتياطى نفط بالعالم، حيث تقدر احتياطياتها بأكثر من 300 مليار برميل، وهو ما يعادل حوالى 17% من الاحتياطيات العالمية.
وأخيرا.. فبينما يقف نيكولاس مادورو وزوجته خلف القضبان فى نيويورك مدافعا عن براءته ومؤكداً أنه أسير حرب، تظل فنزويلا فى حالة من الغموض السياسى، وأن هذه الأحداث لا تنهى فقط حقبة فى فنزويلا، بل تفتح الباب على مصراعيه لإعادة تعريف القوانين الدولية المتعلقة بالسيادة والحصانة، وسواء انتهت المحاكمة بالإدانة أو بصفقة سياسية، فإن العالم بعد يناير 2026 لن يكون كما قبله، فقد أصبح مفتوحا أمام التدخلات المباشرة تحت غطاء ملاحقة الجريمة المنظمة، فمحاكمة «مادورو» هى الاختبار الأول لهذا النهج، وستظل نتائجها تحدد ملامح العلاقات الدولية للعقدين القادمين، فالعالم اليوم لا يشاهد محاكمة رجل، بل يشاهد إعادة رسم خارطة النفوذ العالمى بالقوة والقانون معا.

[email protected]