تلاقت أرواح الأولين والآخرين من لدن أدم في عالم الذر، فمنها من تعارف وائتلف ومنها من تنافر واختلف، وعلى هذا الأساس قال شفيع فرنسا القديس جان ماري فيانيه: “العذراء هي أمي، فقد أحببتُها قبل أن أعرِفَها”
وهكذا أنا ينتابني نفس الشعور فمنذ كنت طفلا لم أبلغ الحلم كلما وقع بصري على صورة العذراء أم النور سيدة نساء العالمين أشعر بحالة انجاذب شديد، تأسرني ملامحها الجميلة المهيبة التي لا توحي بالرهبة بل على العكس توحي بالطيبة والأمومة الحانية، فهذا الجمال الإلهي ليس جمالا حسياً فحسب بل انعكاس لنور رباني يسكن الفواد لتلألأ الروح فعيناها الصافيتان لهما نظرة ساحرة عذبة ونفاذة تكاد تذيب كياني كأنهما تحاورات عيني فتأخذني بطريقة لا إرادية إلى دروب عوالم نورانية علوية لا أعرف كينونتها، فهذه الجاذبية الملائكية الآسرة بها أسرار عجيبة يعجز عقلي المسكين المحدود عن إدراك ماهيتها أو تفسيرها ومع ذلك تظل روحي سابحة في أفلاكها السماوية هائمة معلقة لا تدري أين المستقر.
لا شك أن هذه الصفات الروحية النبيلة تجبرك على التفكر والتدبر، ولما لا فقد اصطفاها الله على نساء العالمين لتكون مثالا حيا على العفو والصدق والطهر الذي تفتقده البشرية. ويتضح ذلك من خلال سيرتها العطرة فهي تنتمي لأسرة يهودية مؤمنة يرجع نسبها إلى نبي الله داود مكونة من السيدة الصابرة حنة زوجة العابد التقي يواقيم، تبتلا إلى الله أن يشفي حنة من العقم ونذرا نذرا أن أول طفل يرزقان به سوف يقدمانه نذيرا لله في الهيكل، فحبلت حنة ببشري من ملاك الرب ليواقيم، وعندما كبرت شفيعتنا وأصبح عمرها ثلاث سنوات أخذها أبواها إلى الهيكل وفاء بنذرها للرب، حيث أقامت في الجناح المخصص للعذراى ثم توفي والداها وعمرها ثماني سنوات، ترعرعت الملاك الصغيرة في طاعة وعبادة الله فغمرها بمحبته ورعايته فمكثت في الهيكل حتى عمر 12 سنة مما كان له أثر عظيم في تكوين شخصيتها فعاشت حياة الطهر والعفة والتأمل وعندما جاء وقت الخروج لم تتذمر أو تحتج، وطبقاً للتقاليد اليهودية التي تقتضي أن تعيش في كنف رجل فقبلت الاختيار الإلهي بأن تكون خطيبة للقديس يوسف النجار الذي كان يكبرها بكثير، فقد كان عمره حينئذ خمسة وتسعين عاما بالرغم من أن رغبتها الوحيدة أن تعيش حياة البتولية بلا زواج لأنها نذير للرب.
ومع ذلك رضيت وقبلت مشيئة الله أن تكون أماً ولم يمسسها بشر في بيئة مادية قاسية فصبرت على الأذى محتسبة طاعة لله، لا أدري كينونة هذه القوة الروحية والصلابة النفسية لهذا التسليم العجيب لإرادة الله بدون تذمر أو شكوى، فنقاؤها المطلق وإيمانها العميق وتواضعها جعلها مصدر إلهام للحائرين كونها نموذجا فريداً للمرأة الكاملة فهي تستحق أن تكون باب السموات وفاتحة كنوز النعمة للمحتاجين إليها على الأرض.
أوقن أن ثمة علاقة شديدة الخصوصية بين المصريين والسيدة العذراء، فقد كانت مصر ملاذاً آمنّا للعائلة المقدسة، "قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر"، فقد استقبلوها، وأمنوها على نفسها وابنها الرضيع حتى وصلت إلى الجبل الغربي في أسيوط، حيث بقيت فيه وباركته، وظلت كرامتها المعجزة تظهر فيها إلى وقت قريب لاسيما في الكروب والشدائد كما حدث بعد نكسة يونيو، ترتدي ثوبا ناصع البياض وتاجا من نور وقلبا ذهبيا يعكس روحها الطاهرة وجمالها الأخاذ.
فنظرة يا ستنا يا أم النور تروي ظمأ العاشق الملهوف