رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى كل عام ومع حلول عيد الميلاد بدلا من أن تمر التهنئة باعتبارها سلوكا إنسانيا طبيعيا بين شركاء وطن واحد، يخرج من يحوّلها إلى قضية تحريم وتحليل وكأن تبادل كلمات المحبة خطر على العقيدة، أو تهنئة الآخر اعتداء على الإيمان، هنا لا نتحدث عن خلاف فقهى برىء، بل عن خطاب يتعمد مصادرة البديهى وإرباك المجتمع وفتح أبواب فتنة لا طائل منها.

ليست المشكلة فى وجود رأى دينى يناقش داخل دوائره العلمية فهذا أمر مشروع ومفهوم، لكن الخطورة تبدأ حين يُطرح هذا الرأى على الناس باعتباره حقيقة مطلقة وموقفا واجب الاتباع وحينها يتحول إلى أداة لشحن النفوس وتقسيم المجتمع، فتاوى تحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم لا تقف عند حدود الاجتهاد بل تتجاوزها إلى تأثير مباشر على السلم المجتمعى وصورة الدين فى الوعى العام.

هذه الفتاوى لا تُسىء إلى المسيحيين وحدهم بل تطعن المسلمين فى صميم صورتهم وقيمهم وتقدّم الإسلام وكأنه دين يخاصم الإنسانية ويعادى التعايش، وهى فى جوهرها لا تنتج تدينا أعمق ولا وعيا أصفى بل تصنع حالة من التوتر الدائم، وتفتح المجال لخطاب كراهية يستفيد منه أعداء الوطن أكثر مما يخدم الدين.

ولم يكن هذا الجدل يوما بلا إجابة، علماء الدين الحقيقيون أصحاب العلم والمسئولية وعلى رأسهم الأزهر الشريف حسموا الأمر بوضوح، التهنئة فى المناسبات الدينية خُلق إنسانى وسلوك اجتماعى مشروع وتعبير صادق عن معنى المواطنة، لا مساس فيه بالعقيدة ولا خلط بين الأديان، لكن أصحاب الفتاوى السوداء يرفضون هذا الوضوح لأنهم لا يعيشون إلا فى المساحات المظلمة، وهنا وجب التأكيد أن مقالى هذا لا يُقال من منبر الفتوى ولا هو محاولة لمصادرة حق الاجتهاد، فذلك شأن المؤسسات الدينية وعلمائها، وإنما يُقال من موقع المواطن الحريص على وطنه، فالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر ليست مسألة مجاملة أو ظرف اجتماعى عابر، بل أحد أعمدة الاستقرار الوطنى وأساس متين للأمن القومى.

التاريخ القريب يذكّرنا بثمن العبث بهذه العلاقة وتحديدا بعد الثورة التى أسقطت مبارك حين حاولت قوى التطرف تمزيق النسيج الوطنى، كانت الكنائس تُحرق والفتنة تُستدعى، لكن وعى المصريين كان أقوى، وقف المسلم يحرس الكنيسة ووقف المسيحى إلى جوار أخيه المسلم، وجاء الموقف الرسمى والدينى واضحا، دور العبادة كلها لها الحرمة ذاتها والاعتداء على كنيسة كأنه اعتداء على مسجد، وفى مواجهة الإرهاب أدرك الجميع أن التطرف لا يفرق بين أحد، وأن الرصاص لم يسأل يوما عن ديانة ضحيته، لأن الهدف كان الوطن ذاته، عندها تحصّن المصريون بهويتهم الوطنية وتأكد لهم أن وحدتهم ليست شعارا بل شرط بقاء لا غنى عنه.

تحريم التهنئة بعيد الميلاد ليس مسألة هامشية ولا نقاشا بريئا بل جزء من خطاب أوسع يرفض فكرة الدولة الوطنية، ويصدم منطق العيش المشترك، ويغذّى الانقسام كلما سنحت الفرصة، خطاب لا يبنى مجتمعا ولا يخدم دينًا ولا يحمى وطنا.

ومع كل عيد يُثبت الواقع أن المجتمع أقوى من هذه الفتاوى السوداء، وأن المصريين يعرفون بالفطرة أن المحبة لم يحرمها دين، وأن الدين الذى عاش فى هذه الأرض قرونا لم يكن يوما عدوا للإنسان أو للحياة، أما الفتاوى السوداء فستظل نشازا عابرا لأن هذا الوطن لا يدار بالكراهية ولا يُصان بالعداوة بين ساكنيه، بل بالعقل والوعى والشعور الصادق وأن ما يجمع أبناءه أكبر وأبقى من كل محاولات التفريق.

 كل عام وشركاء الوطن بخير.