بين عامٍ يمضى وعامٍ يُقبِل، تجد القلوب متحسِّرةً على ما فات، والنفوسَ مستشرِفةً لما هو آتٍ، والوجوهَ بين بِشْرٍ وعبوسٍ؛ فمن أنجز عملًا عمَّه السرور، ومن أخفق بكى على ما فات من حبور. وبهذه الكلمات الإنشائية المسبوكة نتحدَّث عن أحوالنا ونحن فى الأيام الأخيرة من عامٍ يمضى، يتبعه بزوغُ عامٍ يُقبِل، غير أن الواقع لا يحتمل مجرد سبك العبارات ولا إنشاء المبانى اللفظية مع معانى الكلمات، بل يحتاج إلى وقفات تأمُّل جادَّة فى أحوالنا وأوضاعنا: ماذا أنجزنا؟ وهل أضفنا إلى بنيان أمتنا صروحًا، أم زاد الهدم فى الأركان، وتشتَّت الصَّحب والخِلَّان؟
لذلك، دعونا نتأمَّل فى فقه الإدبار والإقبال؛ ذلك الفقه الذى يُعلِّمنا كيف نُودِّع عامًا ونستقبل آخر: نُودِّعه بفقهٍ قوامُه المحاسبة والتقويم والمراجعة، ونستقبلُه برؤيةٍ واضحة، وخططٍ مدروسة، وآليات تنفيذٍ ومتابعة.
نُودِّع عامًا بثلاث وقفات: وقفةٍ مع النفس، ووقفةٍ مع الناس، وقبل ذلك كلِّه وقفةٍ مع الله.
فالوقفة مع النفس تقتضى صدق المحاسبة، فيسأل كلُّ فردٍ منا نفسه: ماذا قدَّم؟ وماذا أخَّر؟ وفى أى شيءٍ أحسن؟ وفى أيِّه قصَّر؟ هل كان صالحًا مُصلِحًا أم ضالًّا مُفسِدًا؟ هل بنى وعمَّر وشاد، أم هدم وخرَّب ودمَّر؟ هل كان إنسانًا قلبُه عامرٌ بالرحمة والحُسن والجمال، أم ساقته نفسُه إلى وَحْل الحقد والحسد، وخاضت به فى الشرور والآثام؟ هل كان بارًّا بأهله، واصلًا لرحمه، نافعًا لوطنه، أم كان عاقًّا لوالديه، قاطعًا لرحمه، خاملًا كسولًا فى تعمير وطنه؟ هل نجح فى دراسته؟ هل أبدع فى صنعته؟ هل تفنَّن فى تجارته؟ أم كان راسبًا، جهولًا، غضوبًا، غشومًا، خاسرًا محسورًا؟
ثم تأتى وقفته مع الناس، فيسأل نفسه: هل كان مُحسنًا خيرًا؟ هل أعطى كلَّ ذى حقٍّ حقَّه؟ هل ظلم أحدًا؟ هل أكل مال أحد؟ هل غشَّ الناس أو كذب عليهم؟ هل رمى أحدًا بالزور والبهتان؟ ماذا عن حفظه للأعراض وتعظيمه للحُرمات؟ هل صان حقوق الجيران؟ هل أدخل على أهله مالًا حرامًا؟ هل أحبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه حتى يصحَّ إيمانه، مصداقًا لقول النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك وأخرجه البخاري: «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»؟ وهل سلِم الناس من يده ولسانه حتى يكون مسلمًا حقًّا، مصدِّقًا لقول النبى صلى الله عليه وسلم: «المسلمُ من سلِم الناسُ من لسانه ويده، والمؤمنُ من أمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالهم» (رواه النسائى)؟ وأخيرًا، هل فطن للتوجيه النبوى الشريف: «مَن كَانت له مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ مِن عِرْضِهِ أو شىءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ له حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عليه..» (رواه البخارى عن أبى هريرة)؟
وأخيرًا فى فقه الإدبار من عامٍ إلى عام، تأتى وقفةُ العبد مع ربِّه، فيسأل نفسه: هل أطاعه أم عصاه؟ هل كان من أهل الركوع والسجود أم من أرباب الغفلة والركود؟ هل زكَّى عن ماله؟ وهل صام رمضان؟ وهل حجَّ وهو قادرٌ مستطيع؟ وهل أعدَّ إجابةً عن الأسئلة الأربعة الكبرى: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن شبابه فيما أبلاه؟
إن وقفة العبد مع ربِّه فى نهاية العام مكمنُها الخشيةُ والمحبةُ والخضوعُ والتذلُّل، لأنه يدرك دلالة قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) (العلق: 14). ليتنا جميعًا ندرك ذلك، ونعلم أن من أسمائه الحسنى: الرقيب، والشهيد، والحسيب، والوارث، وأن كلَّ شيءٍ تحت عين الرقيب، وهو عليه شهيد، وأننا سنقف بين يدى الحسيب، فلا نتقاتل على الدنيا؛ فالله هو الوارث.
أما الأمة بين عامٍ يمضى وعامٍ يُقبِل، فمن خلال فقه الإدبار والإقبال، فما أحوجها إلى أن تجمع ما تفرَّق من شتاتها، وأن تتكاتف سواعدها، وتتكامل مصالحها، وتترقى مقاصدها، وتنهض بوسائلها. نحتاج إلى عامٍ جديدٍ يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على وحدة الكلمة كما جمعها على كلمة التوحيد، ونحتاج إلى وعى بأن الذئاب لا تأكل إلا الشاة القاصية، مصداقًا لقول النبى صلى الله عليه وسلم: «فإنَّما يأكلُ الذئبُ منَ الغنمِ القاصيةَ»، نحتاج إلى سوقٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ مشتركة، وإلى اتفاقيات دفاعٍ مشترك، ومشروعاتٍ كبرى فى الذكاء الاصطناعى والأمن السيبرانى، والطاقة الجديدة والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الحيوية، وإنشاء مدنٍ وأوديةٍ للتكنولوجيا، وصناعة بيئةٍ حاضنةٍ للعقول، محفِّزةٍ على الإبداع، جاذبةٍ للعقول المهاجرة للعودة لتنمية أوطانها.
ونتمنى إنشاء صناديقَ تساهم فيها الدول العربية والإسلامية الغنية للنهوض بالتعليم والصحة، والقضاء على الفقر فى الدول العربية والإسلامية الفقيرة. ونتمنى عامًا جديدًا يكون عنوانه الإحياء القيمى؛ فانتصار أمتنا فى حقيقته انتصارٌ أخلاقى. ونحتاج عامًا نُرمِّم فيه منظومة الأسرة، ونحارب كلَّ صور الشذوذ والانحلال التى تستهدفها.
ونتمنى عامًا جديدًا يقترن فيه العلم بالعمل؛ فالعلم هو الحل، والعمل المتقن هو السبيل نحو النهوض، واقترانهما يقضى على الجهل والتخلف ويقضى على ثنائية صناعة الجهل وجهل الصناعة، ويُشفى المريض، ويُعالج الداء، ويقيم العمران، ويرفع الأركان، ويحفظ الأوطان، وينير الطريق، ويقوِّى الإرادة، ويمنح العزة، ويرهب الأعداء، ويكثِّر النماء.
من علماء الأزهر والأوقاف