نبض الكلمات
رغم تغير الأزمنة، وتبدل الوجوه، وتدخل مهندسي السياسة في رسم خرائط حزبية على مقاس اللحظة، يبقى حزب الوفد حالة فريدة لا تستنسخ ولا تُمحى ، حزب لم يُصنع بقرار، ولم يولد في غرف مغلقة، ولم يحتج إلى رعاية رسمية ليقف، لأنه ببساطة حفر في وجدان الأمة قبل أن يُكتب في سجلات الأحزاب ..الوفد ليس اسما على لافتة، بل تاريخ من الزعماء الذين نقشوا أسماءهم في ذاكرة الوطن، سعد زغلول الذي حول الغضب الشعبي إلى ثورة 1919، ومصطفى النحاس الذي رسخ الدستور والحياة البرلمانية، ورجال آمنوا أن السياسة شرف ومسؤولية لا صفقة لحة ،هؤلاء لم يكونوا "قيادات مرحلة"، بل مؤسسين لوعي سياسي سبق المنطقة كلها، وانتخابات حزب الوفد ليست شأنا داخليا عابرا، بل معركة معنوية بين حزب نشأ من رحم الشارع، وأحزاب ولدت في مكاتب التخطيط ، هي لحظة يختبر فيها الوفديون قدرتهم على استدعاء روح بيت الأمة، لا الاكتفاء بالحنين إليها، فإما أن تتحول العراقة إلى قوة دفع، أو تترك كذكرى تستدعى في الخطب فقط.
مهندسو الأحزاب قد يملكون أدوات اللحظة، لكن الوفد يملك ذاكرة أمة، وذاكرة الأمة، إن أُحسن استدعاؤها، أقوى من أي دعم مؤقت، المطلوب اليوم قيادة تفهم أن الانتخابات ليست سباق أسماء، بل استفتاء على هوية حزب، هل يبقى وفد الزعماء والمبادئ، أم يختزل إلى حزب يتعايش مع الهامش؟
ورئاسة حزب الوفد ليست مقعدا فخما ولا لقبا سياسيا للتفاخر، بل عبء تاريخي ثقيل ومسؤولية وطنية شاقة، لا يقدر عليها إلا من امتلك قدرات استثنائية، أقرب إلى "الخارقة"، في زمن تتكالب فيه الأزمات المالية والسياسية والاقتصادية، ويُدفع فيه الحزب العريق دفعا نحو الهامش، رغم أنه كان يوما قلب السياسة المصرية وضميرها.
رئيس حزب الوفد القادم لا يطلب منه إدارة حزب عادي، بل حماية كيان يدعى بيت الأمة، إرث لم يصنعه أفراد بل زعماء حملوا المبادئ على أكتافهم ودفعوا ثمنها سجونا ونفيًا ودما لذلك، فالرئاسة هنا ليست "مغنماً"، بل امتحان أخلاقي وسياسي، ومن يتقدم لها دون إدراك حجم الثمن، يظلم نفسه ويظلم الوفد وأولى هذه القدرات هي القدرة على إدارة الفقر دون بيع الكرامة، الأزمة المالية التي تخنق الحزب ليست رقما في دفاتر الحسابات، بل سلاحا يُستخدم لإخضاع القرار السياسي، رئيس الوفد الحقيقي هو من يعرف كيف يوفر الموارد دون أن يرهن الموقف، وكيف يعيد بناء التمويل على أسس شفافة، تحمي الحزب من المال المشروط، وتعيد الثقة لعضويته قبل داعميه ، أما القدرة الثانية فهي المناعة السياسية، رئيس لا تهزه العواصف ولا تُربكه الضغوط، يفهم متى يصطدم ومتى يناور، ومتى يصمت ومتى يتكلم، دون أن يتنازل عن خطوط الوفد الحمراء التي رسمها سعد زغلول ومصطفى النحاس وفؤاد سراج الدين، فالمناورة هنا ليست ضعفا، بل فن الحفاظ على الكيان وسط حقل ألغام سياسي.
القدرة الثالثة هي القيادة في زمن الانقسام. حزب الوفد أنهكته الصراعات الداخلية أكثر مما أنهكته الخصومات الخارجية، الرئيس القادم مطالب بقدرة نادرة على لملمة الشروخ دون تمييع المبادئ، وعلى ضبط البيت من الداخل قبل رفع الصوت خارجه، لأن الحزب المنقسم لا يسمعه أحد، ولو علا صوته،وتبقى القدرة الأهم هي الوعي بأن المنصب زائل والوفد باقٍ، من يجلس على كرسي الرئاسة يجب أن يكون مستعدًا لمغادرته نظيف اليد، مرفوع الرأس، بعد أن يسلّم الحزب أقوى مما تسلّمه، لا مثقلاً بالديون أو الصفقات أو الخلافات، فالتاريخ لا يرحم من استخدم بيت الأمة سلما للصعود، ثم تركه متصدعا..رئاسة حزب الوفد ليست تشريفًا ولا جائزة، بل تكليف ثقيل لا يليق إلا بمن يقبل أن يدفع من رصيده الشخصي ليحمي الرصيد الوطني، ويؤمن أن الوفد ليس حزبًا يملكه رئيس، بل وطنًا صغيرًا يحرسه من يستحق.. وللحديث بقية
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام إتحاد المرأة الوفديه
[email protected]