رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الدخل مفقود والخارج مولود

مصحات «بير السلم»..بيزنس العلاج الوهمى

بوابة الوفد الإلكترونية

إحدى ضحايا «العلاج الوهمى»: دخلت أملًا فى الشفاء فتعرضت للعذاب والتجويع

والدة أحد المرضى: منعونى من زيارة ابنى ووجدت آثار ضرب مبرح على جسده

«دكاكين» تعمل بعيدًا عن القانون تحت مسمى «دار نقاهة أو مركز تأهيل»

خبراء الصحة النفسية: العنف والاحتجاز أخطر على المريض من الإدمان ويدفعه لارتكاب جرائم

دور الدولة «محدود» مقارنة بحجم المشكلة.. والرقابة معدومة

 

لم تكن مشاهد الهروب الجماعى لمجموعة من الشباب من مصحات علاج الإدمان مشهدا صادما ضمن أحداث فيلم رعب بقدر ما كانت واقعًا مؤسفا، يعيشه قطاع كبير ممن كتب عليهم السقوط فى فخ الإدمان. فكان مصيرهم السقوط فريسة لمصحات تدعى العلاج والتأهيل وهى فى حقيقة الأمر عبارة عن سلخانات تعذيب تعمل بعيدا عن كل رقابة أو مسئولية لأنها ببساطة تعمل وفق قوانين «بير السلم».

عشرات الشباب يفرون حفاة شبه عراة، يصرخون ويستغيثون، بعضهم يحمل آثار ضرب واضحة، وآخرون يترنحون من الإعياء، فى فيديوهات اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعى منذ أيام لتعيد طرح سؤال مؤجل منذ سنوات من يراقب مصحات علاج الإدمان فى مصر؟ ومن يحاسب من حول العلاج إلى سلخانة.

تحت لافتات براقة تحمل أسماء مثل «دار الشفاء» أو «مركز الأمل «تنتشر عشرات المصحات غير المرخصة، خاصة فى المناطق الريفية والصحراوية، تستقبل مرضى الإدمان فى ظروف غامضة، بعيدًا عن أى إشراف طبى حقيقى وباسم العلاج القسرى وتكسير السموم تُمارس داخل هذه الأماكن أنماط عنف بدنى ونفسى تصل أحيانًا إلى الاحتجاز غير القانونى، والتجويع، والضرب، والتقييد، فضلًا عن إعطاء أدوية مجهولة المصدر دون وصفة طبية.

الفيديوهات الأخيرة التى وثقت هروبًا جماعيًّا من إحدى هذه المصحات لم تكن سوى القشة التى قصمت ظهر الصمت فبحسب شهادات لمرضى سابقين وأهالى، فإن ما جرى ليس حادثًا فرديًا، بل نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من الانتهاكات التى تُرتكب خلف أبواب مغلقة، مستفيدة من خوف الأسر، ووصمة الإدمان، وغياب الرقابة.

الأخطر أن هذه المصحات تحولت إلى بيزنس مربح، يتاجر فى معاناة المرضى، حيث تتقاضى آلاف الجنيهات شهريًا، دون عقود واضحة، أو برامج علاج معتمدة، أو حتى طاقم طبى مؤهل، بينما يتحول المتعافى إلى مجرد سلعة، وكلما طالت مدة احتجازه زادت الأرباح.

تجويع واحتجاز 

«دخلت برجلى.. وخرجت هاربًا» بهذه الكلمات بدأ «م. ع»، شاب فى العشرينيات، روايته عن تجربته داخل إحدى المصحات الخاصة بقول إن المصحة كانت عبارة عن فيلا محاطة بسور عالٍ بلا لافتة رسمية، ولا وجود لطبيب مقيم، فقط يوجد مشرفون بعضهم متعافون سابقون، يتعاملون بالعنف مع المرضى.

وأضاف أول يوم اتسحبت الموبايلات، واتقفل علينا، وأى حد يطلب يخرج يتربط ويتضرب، الأكل قليل، والميه بالحساب، واللى ينهار نفسيًا يقولوا ده تمثيل.

أما والدة أحد المرضى، فتقول إنها لجأت للمصحة بعد فشل محاولات العلاج، لكنها لم تكن تعلم أن ابنها سيتحول إلى محتجز، كانوا بيطمنونا فى الأول، وبعدها ممنوع الزيارة، وكل ما أسأل يقولوا ده بروتوكول علاج لحد ما شفت ابنى بعد ما هرب جسمه أزرق من الضرب.

ثغرات تحمى الجناة

بحسب قانون تنظيم المنشآت الطبية، فإن أى مركز لعلاج الإدمان يجب أن يكون مرخصًا من وزارة الصحة، وتحت إشراف طبى متخصص فى الطب النفسى وعلاج الإدمان، مع الالتزام بحقوق المرضى إلا أن الواقع يكشف عن انتشار مراكز تعمل تحت مسميات، مراكز تأهيل أو دور نقاهة، للتحايل على القانون.

وفى هذا الصدد قال الدكتور جمال فرويز، استشارى الصحة النفسية وعلاج الإدمان، إن العلاج القسرى والعنيف داخل المصحات غير المرخصة يخلّف مخاطر نفسية وصحية شديدة الخطورة، لا تقل فى ضررها عن الإدمان نفسه، بل قد تدفع المتعافى المزعوم إلى العنف والجريمة والانتقام.

وأوضح «فرويز» أن كثيرًا من الحالات التى تصل إلى عيادته بعد خروجها من هذه المصحات تعانى مشاعر نفسية سلبية حادة، على رأسها الخوف والغضب وفقدان الثقة، سواء تجاه أسرهم أو تجاه المجتمع ككل.

وأضاف: المرضى بيجولى العيادة وهم عندهم غضب شديد تجاه أهلهم لأنهم دخلوهم هذه المصحات، وغضب أكبر تجاه المصحة والعاملين بها بسبب الإهانة والعنف اللى اتعرضوا له.

وأشار إلى أن هذا الغضب المكبوت قد يتحول فى كثير من الأحيان إلى سلوك عدوانى خطير، لافتًا إلى وقائع شهدها بنفسه، منها حالات اعتداء مسلح على مصحات غير مرخصة بعد الخروج منها، وأخرى أقدم فيها مرضى سابقون على حرق المصحات أو الاشتباك العنيف مع العاملين بها. 

كما أشار إلى انتشار الضرب المتبادل داخل هذه الأماكن بين المرضى أنفسهم أو بينهم وبين المشرفين.

وحذر «فرويز» من أن أخطر ما ينتج عن هذه التجارب هو تحول الغضب تجاه الأسرة إلى قنابل موقوتة داخل البيوت، موضحًا أن بعض المرضى يحتفظون بأسلحة بيضاء مثل السكاكين أو المقصات تحت الوسائد، تحسبًا لأى خلاف بسيط قد ينفجر إلى اعتداء على الأب أو الأخ الأكبر، وقد يصل الأمر إلى القتل، وهو ما حدث بالفعل فى جرائم متعددة شهدها المجتمع، خاصة مع انتشار مخدرات مستحدثة تُسبب أمراضًا عقلية وتُضعف الإدراك.

وأكد أن المصحات غير المرخصة لا تعالج الأمراض العقلية الناتجة عن الإدمان، وإنما تكتفى بالاحتجاز والعنف، بينما يدفع جهل بعض الأسر إلى اللجوء إليها أملًا فى العلاج، فى حين أن القائمين عليها لا يشغلهم سوى جمع الأموال. وأضاف أن الإهانة التى يتعرض لها المريض داخل المصحة، حتى فى أبسط حقوقه مثل الطعام والمعاملة الإنسانية، تترك أثرًا نفسيًا بالغ القسوة.

وسرد «فرويز» واقعة إنسانية مؤلمة لأحد المرضى من أسرة ميسورة الحال، تم إيداعه مصحة غير مرخصة بالجيزة لأن أسرته لم ترغب فى استيفاء الإجراءات القانونية للمصحات المعتمدة يقول المريض أتعرض لإهانة شديدة، واحد قاله امسح دورة المياه بعقب سيجارة، تخيلى حجم المهانة.. المريض جالى العيادة وهو منهار، بيعيط، وحكالى عن حاجات بشعة، وكان مصمم يجيب بلطجية ويروح يكسر المكان.

وأوضح أن مفهوم التعافى الحقيقى هو الامتناع عن التعاطى برغبة الشخص نفسه، بحيث يرفض المخدر لاحقًا حتى لو عُرض عليه، بينما ما يحدث فى هذه المصحات هو مجرد إبعاد قسرى لمدة 3 أو 4 شهور، دون علاج حقيقى، بل إن كثيرًا من العاملين بها بحسب قوله يتعاطون المخدرات أمام المرضى، وهو أمر كارثى يهدم أى فرصة للتعافى.

وأضاف أن عددًا كبيرًا من المرضى يخرجون من هذه المصحات وهم أكثر إصرارًا على التعاطى، ولكن بعيدًا عن أسرهم، بدافع الانتقام والخوف من الإيداع القسرى مرة أخرى، خاصة أنهم لم يتلقوا علاجًا نفسيًا أو طبيًا سليمًا من الأساس.

وأشار «فرويز» إلى أن منظمة الصحة العالمية تصنف الإدمان كـمرض مزمن ممتد وقد يكون قاتلًا، موضحًا أن الدخول فيه قد يكون بإرادة الشخص، لكن الخروج منه ليس سهلًا ويحتاج علاجًا متخصصًا طويل المدى، يعتمد على نوع الشخصية.

وأوضح أن المدمنين ينتمون غالبًا إلى أربع شخصيات رئيسية: السيكوباتية، والحدية، والاعتمادية، والعصبية، وتختلف نسب الشفاء بينهم، حيث لا تتجاوز 10% للسيكوباتى، وتصل إلى 80% للشخصية العصبية.

وأكد أن العلاج القسرى لا يُسمح به قانونًا إلا فى حالات محددة داخل مصحات معتمدة، وبشروط صارمة، منها حضور أحد الوالدين، وتسجيل البيانات لدى المجلس الأعلى للصحة النفسية، مؤكدًا أن المصحات المرخصة معروفة بلافتاتها الواضحة، بينما غير المرخصة تعمل فى الخفاء، دون رقابة، بعيدًا عن أعين الدولة.

واختتم بالتأكيد على أن الخط الساخن لوزارة الصحة متاح لتلقى الشكاوى، داعيًا الأسر إلى التحقق من ترخيص أى مصحة قبل إيداع أبنائهم، حفاظًا على حياتهم النفسية والجسدية.

تؤكد الدكتورة إلهام المهدى، الخبيرة القانونية، أن حادثة هروب عدد كبير من نزلاء إحدى مصحات علاج الإدمان بمنطقة المريوطية لا يمكن اختزالها فى إطار أمنى أو إنسانى عابر، بل تعكس أزمة أعمق ذات أبعاد قانونية ومجتمعية قبل أن تكون صحية فهذه الواقعة تكشف خللًا مركبًا فى ثلاث دوائر متشابكة: المصحات الخاصة، ودور الدولة، ومسؤولية المجتمع، وتعيد طرح سؤال جوهرى حول كيفية تعاملنا مع الإدمان: هل نراه مرضًا مزمنًا يحتاج إلى منظومة علاج حقيقية، أم عبء اجتماعي نحاول التخلص منه بأى وسيلة؟

أول مظاهر الأزمة يتمثل فى انتشار مصحات خاصة غير منضبطة خرجت عن الإطار الطبى وتحولت إلى مشروعات احتجاز مربحة، تستغل خوف الأسر ويأسها. كثير من هذه الكيانات يعمل دون الالتزام بالمعايير الطبية الأساسية، فلا يضم أطباء متخصصين فى الطب النفسى أو علاج الإدمان، بالمخالفة للاشتراطات القانونية.

وتابعت، كما تمارس بعض المصحات الاحتجاز القسرى للمرضى دون موافقة مكتوبة أو سند قانونى، فى انتهاك صريح لقانون الصحة النفسية، فضلًا عن ممارسات مهينة أو عنيفة تُبرَّر تحت مسمى «كسر الإدمان» مثل التقييد أو الحبس الانفرادى أو الإهانة النفسية، ويُضاف إلى ذلك الاستغلال المالى عبر تحصيل مبالغ طائلة دون الالتزام ببرنامج علاجى معتمد، هذه الممارسات لا تزدهر إلا فى بيئة تسمح بالعمل دون رقابة حقيقية أو مساءلة رادعة.

فى المقابل، لا يمكن إنكار دور الدولة فى مواجهة الإدمان، لكنه يظل محدودًا مقارنة بحجم الأزمة، فصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى يمثل الذراع الرئيسية للدولة فى هذا الملف، ويقدم علاجًا مجانيًا وسريًا، ويُشرف على مراكز علاج معتمدة فى عدد من المحافظات، ويتيح خطًا ساخنًا لتلقى طلبات العلاج، إلى جانب برامج إعادة التأهيل والدمج المجتمعى، غير أن التحدى الحقيقى يكمن فى محدودية الطاقة الاستيعابية، وضعف الانتشار الجغرافى، ونقص الوعى المجتمعى بخدمات الصندوق، الأمر نفسه ينطبق على أقسام علاج الإدمان بالمستشفيات الحكومية والجامعية، التى تعانى من نقص الإمكانيات وقلة العدد، بما يجعلها غير قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة، وبذلك يبدو دور الدولة أقرب إلى «إطفاء الحرائق» منه إلى بناء منظومة شاملة ومستدامة.

على المستوى القانونى، تمتلك مصر تشريعات قوية نظريًا، لكنها تعانى من ضعف التنفيذ فقانون مكافحة المخدرات يميز بين المتعاطى والتاجر، ويشجع العلاج كبديل للعقوبة الجنائية فى حالات التعاطى، أما قانون الصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009، فيضع ضوابط صارمة لاحتجاز مرضى الإدمان، ويكفل حقوقهم فى الكرامة وعدم التعذيب، ويجرّم الاحتجاز القسرى والمعاملة غير الإنسانية، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن فى ضعف التفتيش على المصحات، وعدم تفعيل العقوبات إلا بعد وقوع الكوارث، وخوف الأسر من الإبلاغ، إلى جانب تساهل إدارى يسمح باستمرار مصحات غير مرخصة، وهكذا يتحول القانون من أداة وقاية إلى مجرد رد فعل متأخر.

وأكدت أن الدور الغائب هو دور المجتمع والأسرة فكثير من الأسر تسلّم أبنائها لأى جهة تتعهد بحل المشكلة دون التحقق من الترخيص أو أسلوب العلاج، بينما ينظر المجتمع إلى المدمن باعتباره وصمة لا مريضًا، ما يدفع إلى البحث عن علاج سرى بأى ثمن ويسهم الإعلام أحيانًا فى تضخيم دور المصحات الخاصة على حساب التوعية بالخدمات الحكومية، فى حين لا يتم استثمار خبرات المتعافين فى التوعية أو الرقابة.

وتخلص الدكتورة إلهام المهدى إلى أن حل الأزمة يبدأ بحصر وإغلاق المصحات غير المرخصة فورًا، وإعلان قوائم رسمية محدثة بالمراكز المعتمدة، وتفعيل قانون الصحة النفسية بحزم، وتوسيع خدمات الدولة جغرافيًا وإعلاميًا، إلى جانب تثقيف الأسر بحقوق المرضى، وإشراك المجتمع المدنى والمتعافين فى الرقابة والتوعية فالإدمان فى مصر لا يعانى من نقص القوانين، بل من غياب الإرادة المجتمعية لتطبيقها، وأى حل لا يغيّر هذه النظرة سيعيد إنتاج المأساة مرة بعد أخرى.