رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قطوف..أحلام لا يُحاسَب عليها القانون

منحوس مع مرتبة الشرف

بوابة الوفد الإلكترونية

 


 

اختلس قبلة منها، ومن حلاوتها كاد يُغشى عليه. وقبل أن تستفيق من نشوتها، همس أحمد في أذنها قائلًا:
– هل تحبّينني يا نورة كما أحبّك؟
فأجابته متنهّدة:
– بل أذوب في عشقك، ولا أتنفّس إلا حبّك. صدّقني يا أحمد، قبلك لم أعرف للدنيا معنى.

مدّت يدها نحوه بغير إرادة، وكأنها تريد أن تعانقه، لكنه ابتعد بلطف قائلًا:
– احذري، على يمينك طلاب قادمون، فالجامعة لم تخلُ منهم بعد. كنت أتمنى أن تكون خالية... فما أحوجني الآن لاحتوائك والاستمتاع برقّة مشاعرك، لكن ما باليد حيلة، فبعد لحظات سيأتي الأمن ليطلب منا الرحيل.

كانت الساعة الخامسة بعد الظهر، ونسمات الخريف من لطفها وحلاوتها تكاد تُخبل النفوس وتدفئ المشاعر بالعواطف الجيّاشة. نور الشمس الخافت يحذّر من اقتراب تواريه خلف الظلمة اليومية المعتادة، ويبعث على نشوة الرغبة وجنون المتعة في سكينة الأشياء.

وكما كان متوقّعًا، اقترب أحد أفراد أمن الجامعة من أحمد ونورة الجالسين تحت ساعة جامعة القاهرة، واستأذنهما في الرحيل. فقاما على استحياءٍ وتردّد، ثم سارا معًا ببطء نحو الباب الرئيسي لخروج الطلاب.

في تلك اللحظات، اتصل والد نورة بها. وما إن رأت رقمه على شاشة هاتفها حتى قالت لنفسها:
– خير اللهم اجعله خيرًا.
ثم ردّت:
– نعم يا بابا؟
– أين أنتِ يا نورة؟
– أنا في الطريق.
– لكنك تأخّرتِ، ماذا جرى؟
– صدّقني يا بابا، لم أنتظر دقيقة واحدة بعد آخر محاضرة. لا تقلق، أمامي أقل من ساعة وسأكون في المنزل إن شاء الله.
– من معكِ الآن؟
فأجابته وهي تمسك بيد أحمد:
– صديقتي عزة يا بابا.

ثم تركت يدها تعانق يد أحمد بقوة، واستطردت:
– سنركب أنا وعزة كالعادة من الجيزة ميكروباص إلى السادس من أكتوبر، ثم سأذهب إلى المكتبة قبل أن آتي للمنزل لشراء بعض المذكرات والأدوات الضرورية لدراستي.

قاطَعها الأب قائلًا:
– اعملي حسابك، لن تذهبي إلى الجامعة غدًا، لأنك ستسافرين معنا أنا وأمك لاستقبال عمّك العائد من اليونان، سيصل إلى الإسكندرية بحرًا.

شحب وجه نورة؛ فهي ليست مستعدة أن يمرّ يوم واحد لا ترى فيه أحمد. فردّت بحزم:
– لا يا بابا، للأسف لن أستطيع، عندي امتحان في الثامنة صباحًا، ومن المستحيل تأجيله.
– حاولي يا نورة، لقد طلب عمّك حضورك معنا.
– لو أخبرتني من قبل لفعلت المستحيل، وأقنعت الدكتور بتأجيل الامتحان... أم أنك لا تريدني أن أنجح يا بابا؟ (قالتها ضاحكة).
– على أي حال، سنجهّز أنا وأمك مستلزمات السفر، وسنعود فور إنهاء الزيارة طالما أنك لستِ معنا. لكن أرجوكِ، لا تتأخّري.

سرحت نورة برهة، وكأنها سلّمت نفسها للشيطان، تفكّر في أن تغتنم الفرصة، وبدلًا من أن تلتقي أحمد في الجامعة، تدعوه إلى بيتها.
ولِمَ لا؟ وأجراس العشق تفترس قلبها، والفرصة لن تتكرّر.

اقتربت من أحمد قبل وصولهما إلى الباب، وقالت بصوت متهدّج:
– أخيرًا سيتحقق حلمنا، وسنكون معًا تحت سقفٍ واحد. ما رأيك؟ أسرتي ستسافر غدًا... ألا تحب أن تكون أنت أسرتي؟ ألا تحلم أن ننعم سويًّا بنشوة لحظات سنحتفظ بها في صندوق ذكرياتنا؟ في الخامسة صباحًا سيكون البيت خاليًا... ولن نجد أجمل من هذه الفرصة التي قد لا تتكرّر أبدًا، حيث أنا وأنت، والحب ثالثنا.

قال أحمد مترددًا:
– لكن...
فقاطعته نورة بعصبية:
– هل أنت خائف؟
– أبدًا يا نورة، أنا مشتاق لكِ أكثر مما تتصورين، وأتطلع لأن ننعم معًا باللحظات الجميلة.
– إذن لا تتردد، فلن يظفر باللذة إلا المغامر، وأنا مستعدة للمغامرة ما دمنا معًا. سنتراقص على نبضات قلوبنا المشتعلة بالحب.
– لكن أخشى أن يراني أحد وأنا أدخل البيت.
– لا تقلق، لا توجد كاميرات، وبيتنا في التوسعات الشمالية، منطقة خالية من السكان تقريبًا، فلا أحد يراك ولا يعرفك.
– أريد الغد الآن، أتمنى أن أذوب فيك.
– وأنا أسعد فتيات الدنيا بوجودك، وأحرص الناس على اغتنام هذه الفرصة.

عادت نورة إلى البيت، تناولت العشاء مع أسرتها، وشاركتهم الحديث والضحك، ثم ساعدتهم في تجهيز الحقائب. وحين حلّ المساء، انصرف كلٌّ إلى شأنه. أمّا نورة، فلم يغمض لها جفن، وتركت نفسها أسيرة خيالاتها الجامحة.

في الرابعة صباحًا استيقظت الأسرة استعدادًا للسفر، وفي الخامسة غادروا المنزل كما كان مخططًا. وبمجرد أن أُغلق باب الشقة، شعرت نورة أن الشيطان يبتسم لها.

قالت لنفسها:
– ماذا ألبس؟ وكيف سأقابله؟ هل سأستسلم له أم أضع حدودًا؟ إنه حبيب، لا زوج... لكن لا بأس، سأترك الأمور للظروف. المهم أن أتصل ببابا لأطمئن على وصولهم.

– بابا، طمّني عليكم، هل وصلتم؟
– نعم يا نورة، وصلنا قبل موعد القطار بربع ساعة، أنا الآن عند شباك التذاكر.

– إن شاء الله بالسلامة. لن تبقوا طويلًا في الإسكندرية، أليس كذلك؟
– أبدًا، سنعود فور وصول عمّك. ركّزي أنتِ في امتحانك.
– آه يا بابا، كم أنا سعيدة بهذا "الامتحان"، وواثقة من النجاح فيه.
– وأنا واثق أنكِ ستنجحين، فلكل مجتهدٍ نصيب.

أنهت الاتصال، وتأكدت أن كل شيء يسير كما أرادت. اتصلت بأحمد قائلة بلهفة:
– افرح، لقد سافروا! تعال بسرعة... 
–  لقد أخبرت أمي أنني ذاهب باكرًا للمذاكرة مع أصدقائي، ودعت لي كثيرًا، بل أعطاني أبي السيارة ليسهّل عليّ الطريق. لحظات وسأنطلق، وسأتوقف في محل “الأمانة” لأشتري فطائر وألبانًا وجبنًا... ما أحوجنا لشيء نأكله بعد لحظات الغرام.

انطلق أحمد وشوقه يسبقه، بينما كانت نورة تجوب الشقة جيئة وذهابًا، قلبها يخفق بجنون.

وحين بلغ أحمد محل “الأمانة”، وكان على بُعد دقائق من البيت، اتصل بها:
– نورة، أنا قادم، اشتريت كل ما نحتاجه. هل تريدين شيئًا آخر؟
– لا أريد سوى أن تأتي.
– دقائق وأكون عندك، الدور الثالث، يمين السلم، صحيح؟
– نعم، ولا تقلق، لا أحد هنا غيري.

وبعد دقيقتين تمامًا، سُمِع طَرق على الباب. فتحت نورة بسرعة ولهفة...
لكن يا لها من صدمة!

جعلتها تصرخ بفزع واندهاش:
– بابا! ماما! لا أصدق!
فقال الأب بنبرة حازمة:
– أدخلي الحقائب أولًا، ثم اسألي ما شئت.
– لكن... كيف عدتم؟ ولماذا؟
– الرحلة تأجّلت إلى حين، وعمك لن يأتي في الموعد المقرّر، لذلك عدنا كما كنا، ويا دار ما دخلك شر.

حاولت نورة أن تغلق الباب بسرعة قبل وصول أحمد، لكن الوقت فات، فقد كان يصعد الدرج بالفعل.

اقترب أحمد وهو يلهث، بينما كانت نورة ترتعد من الخوف. لكن فجأة سأل أحمد وكأنه وجد طوق النجاة، موجّهًا حديثه إلى الأب:
– من فضلك، أليست هذه شقة رقم كذا عمارة كذا؟ ثم قدّم له لفافة المشتريات التي جلبها من محل "الأمانة".
فرد الأب ساخرًا:
– "ديليفري يا نورة! كل يوم ديليفري!"

تدارك أحمد الموقف سريعًا وقال:
– الحساب مئتا جنيه يا فندم.
فقالت نورة مبتسمة والارتباك يغمرها:
– طبعًا بابا حبيبي هو الذي سيدفع، وهل هناك من يدفع لي غيره؟

ثم ارتمت على والدها تقبّله وتحتضنه.
فدفعها الأب بلطف قائلًا بخجل:
– أنا بابا يا نورة... أنا بابا يا نورة.

عندها فتحت عينيها فجأة، ثم تساءلت بحياء:
– بابا! ماذا جرى؟ وأين أنا؟
رد الأب بتهكّم:
– أنتِ على السرير يا نورة!
– إذن كنتُ أحلم! لكن... لماذا أنت هنا في غرفتي يا بابا؟
– هل نسيتِ أحمد؟ وذكاء أحمد؟ وعبقرية أحمد؟ وخفة دم أحمد الذي كنتِ تحدّثينني عنه؟! لكن فجأة أخذك النوم منّي، ورحتِ في سبات عميق، وما هي إلا دقائق، وإذا بك تنهالين عليّ عناقًا وتقبيلًا، وأنتِ تهمسين: "حبيبي... حبيبي... حبيبي!"
– فهل أنتَ حبيبي أم مَن؟!
أجابها ضاحكًا وهو يدير ظهره إليها متوجهًا إلى خارج الغرفة:
– ربما أكون حبيبك في الأحلام... لكن، تُرى، مع مَن ستعيشين الحب في الحقيقة؟!