أوراق مسافرة
عود على بدء، لا جدال أن الأدوار التاريخية التى لعبتها مصر مع الأشقاء العرب بل والأخوة الأفارقة أيضا ولا تزل تقوم بها هى من منطلق الشعور القوى بالمسئولية، مسئولية الأخ الأكبر لضمان أمن وسلام من يراهم عائلة.. المنطقة العربية والإفريقية ككل، ولإدراك مصر أن تهدد الأمن والسلام فى أى دولة من دول المنطقة مؤكد له انعكاساته الخطيرة على باقى الدول، فلا وجود لما يسمى بالجزر المنعزلة عن التأثير والتأثر، بل العالم كله لم يعد هكذا، فاندلاع حرب بين روسيا وأوكرانيا على سبيل المثال ألقى بإثارة الإقتصادية السلبية على العديد من دول العالم البعيدة عن حدود منطقة الحرب بل التى فى قارات أخرى.. وهكذا. ورغم معاناة مصر وحدها فى بناء اقتصادها وانعكاس صعوبات وتحديات التنمية على الشعب الصابر، إلا أنها فى نفس الوقت لم تبخل بالدعم والمساندة على أى دولة كانت فى موقف احتياج وإن تحدت فى ذلك كل قوى العالم الخارجية، وأكبر مثال وقوف مصر على مدى التاريخ بجانب فلسطين عسكريا وسياسيا وبكل المساعدات الانسانية والمعونات الغذائية والطبية الممكنة، كما لم تتأخر يوما عن دعم أى دولة أخرى بمثل هذه المساعدات أيضأ لمواجهة أى كوارث طبيعية وغير طبيعية. ولأن مصر تدرك أن خارطة العالم الحديثة لا تشكلها الحدود فقط بل تشكلها قوة التكتلات، فقد أطلقت وكررت دعواتها للوحدة وهى دعوة ليست حديثة بل يذكرنا التاريخ أن مصر فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر دعت لوحدة عربية ضمت فى حينه مصر وسوريا والعراق، وكانت الخطة أن تكون الوحد الثلاثية نواة لوحدة عربية شاملة، ولكن للأسف تفككت الوحدة لأسباب لا أريد الخوض فيها لأنها مسجلة بكتب التاريخ للراغب فى قراءتها، فانسحبت سوريا فى سبتمبر عام ١٩٦١ لتنهار الوحدة فى نواتها الأولى، وتلتها العراق، والأن بعد ٦٤ عام من هذا الحدث، دعونا ننظر لحال هذه الدول العربية لنستخلص الدرس المستفاد، ويذكرنا التاريخ أيضا أنه فى مبادرة السلام المصرية مع إسرائيل، لم ترغب مصر بالانفراد بالقرار فى هذه الإتفاقية لحقن الدماء العربية، ودعا الرئيس الراحل أنور السادات الدول العربية التى لها أراضى تحت الإحتلال الإسرائيلى لمرافقته إلى الكنيست للتفاوض الجماعى على استعادتها كلها، ورفضت هذه الدول التوحد على موقف رجل واحد، ولننظر إلى الوضع الآن، حتى نستخلص الدرس المستفاد!!.
ما أقوله ليس سرا فهو مسجل فى كتب التاريخ بكل حياد وموضوعية وأسوقه للتذكير بهذه الدروس قبل أن يحل بالمنطقة درس اخر قاسى وقد يكون درس أخير يعصف بأمنها واستقرارها نتيجة للفرقة وإتاحة الفرصة للصهيوغربية بتنفيذ مخططاتها فى المنطقة.
القادة والزعماء العرب مسئولون أمام شعوبهم بالنظر إلى مصلحة جماعية لا أحادية، أن يتعاملوا بنفس المنطق مع العالم الذى بات محكوما بتكتلات تتوائم وتتوازن مع موازين القوى الجديدة، والتى يتصدرها الآن الاتحاد الأوروبى، الاتحاد الاقتصادى الأوراسى، رابطة جنوب شرق أسيا، مجموعة العشرين، مجموعة السبع، البريكس، ولن ننسى بالطبع مجلس التعاون الخليجى، وهناك المزيد فى الطريق.
ومعروف أن التكتل الاقتصادى يوحد أو يقارب المواقف السياسية من منطلق المصالح المشتركة، بما يمهد الطريق لوحدة عسكرية لحماية تلك المصالح وقت اللزوم كما حدث فى الإتحاد الأوروبى الذى أصبح له جيش موحد بل وبوليس أوروبى مشترك، لذا ليس حلما بعيد المنال أن يحدث تكتل عربى يعتمد على تعاون لا على الإملاء والتعالى، يعتمد على التكامل التنموى لا السيطرة، على تبادل المصالح لا على التفوق الأحادى الجانب، تكتل يجعل للدول العربية مكانتها وصوتها داخل المؤسسات المالية الدولية،صوتها القوى السياسى داخل المنظمات الدولية ومجالسها لإنصاف الحق العربى.
على العرب إدراك أن الدول الداخلة فى التكتلات الحالية نجحت أولا فى تجاوز كل الإختلافات ووضعت نصب عينيها المصالح المشتركة مما جعلها تنجح جماعيا فى الصعود الإقتصادى والسياسى، عليهم أن يدركوا أن بقاءهم بمعزل عن سباق التكتلات سيجعلهم أكثر عرضة مما هم عليه الأن من فرقة وتشتت، أكثر عرضة للوقوع تحت الضغوط الخارجية الغير العربية بما يسلبهم قوتهم وإرادتهم تدريجيا، ويدفع بهم إلى أتون الاستسلام والانبطاح والتسليم، على العرب أن يقتنصوا مكانهم الآن فى خارطة القوة والنفوذ التى سيتم عما قريب الإنتهاء من ترسيمها فى العالم فلا يكون بها مكان لجديد، خاصة وأنهم يتمتعون بكل المقومات التى تؤهلهم لتكتل اقتصادى، سياسى، وعسكرى لا يستهان به ليشكل قوة ردع ضاربة لمن تسول له نفسه محاولة المساس بمقدرات أو سيادة أى دولة عربية، المهم هنا هو خلق إرادة سياسية لتحقيق التقارب لأن المشهد العالمى السياسى والعسكرى والاقتصادى يفرض الأن فرصة هائلة لإعلان وحدة عربية..رابطة، تكتل، أى مسمى المهم المضمون هو التوحد ونبذ الخلافات الجانبية والنظر إلى مصلحة جموع الشعوب العربية فى مواجهة الهيمنة الصهيوغربية التى تحاول كسر الإرادة العربية وتسعى إلى فرقة دول المنطقة لإفتراس الفرادى الشوارد منها وتمديد غرس شوكة إسرائيل فى قلب المنطقة.
fekria63@yahoo