خطيب مسجد السيدة نفيسة: راقبوا الله في أعمالكم
مسجد السيدة نفيسة.. أوضح الدكتور علي الله الجمال، إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة، خلال خطبة اليوم الجمعة أن السماء والأرض يزرفان الدموع على فقد العبد الصالح؛ إذ ورد "إذا مات العبد المؤمن بكت عليه الأرض أربعين صباح".
مسجد السيدة نفيسة:
وأضاف الجمال، أنه جاء في الأثر الموقوف "ما من عبد إلا له باب في السماء ينزل منه رزقه ويصعد عمله فإذا مات أغلق ذلك الباب" .
وقال علي الله الجمال إن الإنسان بعد مماته يبكي عليه مصلاه.
وأشار الحمال خلال خطبة الجمعة إلى أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يحب أن يسمع أسماء الشهداء، ويطلب من الصحابة أن يقصوا عليه أسماء الشهداء سواء يعرفهم أم لم يعرفهم.
وفي الختام وجه علي الله الجمال نصيحة لجمهور المسجد، حيث قال: راقبوا الله في أعمالكم واتركوا أثرا صالحا بين الناس، مستشهدا بقوله تعالى "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ".
مسجد السيدة نفيسة:
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولًا: الرجالُ والإيجابيةُ والمسئوليةُ.
لقد ربَّى الإسلامُ أبناءَهُ على المسئوليةِ والإيجابيةِ، وإيجابيةُ ومسئوليةُ المسلمِ تعنِي أنْ يكونَ فيضًا مِن العطاءِ، ثابتًا حينَ تدلهُم الخطوبُ، لا ييأسُ حينَ يقنطُ الناسُ، ولا يتراخَى عن العملِ حينَ يفترُ العاملونَ، يصنعُ مِن الشمعةِ نورًا، ومِن الحزنِ سرورًا، متفائلًا في حياتِهِ، شاكرًا في نعمائِهِ، صابرًا في ضرائِهِ، قانعًا بعطاءِ ربِّهِ لهُ، وأنْ يستشعرَ المسئوليةَ تجاهَ نفسِهِ وأسرتِهِ ووطنِهِ ومجتمعِهِ.
نص خطبة الجمعة من مسجد السيدة نفيسة
ونحنُ نعلمُ رجولةَ الرسولِ ﷺ حينمَا قالتْ لهُ أمُّهُ آمنةُ عندَ وفاتِهَا عبارةً: “يا مُحمدٌ كُنْ رجلًا”، حينَ كانَ النبيُّ ﷺ لا يزالُ طفلًا في السادسةِ مِن عمرِهِ، في تلكَ اللحظةِ المؤثرةِ، يُقالُ إنَّهَا أوصتْهُ بهذهِ الكلماتِ التي تحملُ معانِي عظيمةً مِن القوةِ والثباتِ. و “كُنْ رجلًا” هنَا لا تعنٍي مجردَ الرجولةِ الجسديةِ، بل تحملُ دعوةً إلى التحلِّي بالشجاعةِ والصبرِ والمسؤوليةِ، وكأنَّهَا كانتْ تُعدُّهُ لِمَا سيواجهُهُ مِن تحدياتٍ عظيمةٍ في حياتِهِ، وهو الذي سيُبعثُ نبيًّا ويُكلفُ برسالةٍ عظيمةٍ.
ومِن هذا المنطلقِ ربَّى الرسولُ ﷺ أصحابَهُ على الإيجابيةِ والمسئوليةِ والرجولةِ والمشاركةِ المجتمعيةِ كمَا ذكرَ القرآنُ الكريمُ،
فهُم رجالٌ في العبادةِ والذكرِ والطاعةِ، قالَ تعالَى: { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}. [النور:37]. يقولُ الإمامُ ابنُ كثيرٍ:” لَا تَشْغَلُهُمُ الدُّنْيَا وَزُخْرُفُهَا وَزِينَتُهَا وملاذ بيعها وربحها عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي هُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، وَالَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ وَأَنْفَعُ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ، لِأَنَّ مَا عِنْدَهُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ”. أ.ه
موضوع خطبة الجمعة من مسجد السيدة نفيسة
رجالٌ في حبِّ الطهارةِ والعفافِ:،قالَ تعالَى: { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}. [التوبة:108]، يقولُ الإمامُ ابنُ كثيرٍ:” فيه دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْقَدِيمَةِ الْمُؤَسَّسَةِ مِنْ أَوَّلِ بِنَائِهَا عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ مَعَ الجماعة الصَّالِحِينَ وَالْعِبَادِ الْعَامِلِينَ الْمُحَافِظِينَ عَلَى إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ مُلَابَسَةِ الْقَاذُورَاتِ”. أ.ه. رجالٌ في التضحيةِ والصدقِ مع اللهِ، قالَ تعالَي: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. [الأحزاب:23].
وهكذا ينبغِي أنْ يستشعرَ المسلمُ المسئوليةَ تجاهَ نفسِهِ وأسرتِهِ ومجتمعِهِ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
هذهِ الرجولةُ والإيجابيةُ والمشاركةُ المجتمعيةُ تجعلُهُ يتركُ أثرًا طيبًا وبصمةً نافعةً في مجتمعِهِ، كمَا سيأتِي في عنصرِنَا التالِي.
ثانيًا: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ.
إنَّ حركاتِ الإنسانِ وأقوالَهُ وأفعالَهُ مكتوبةٌ ومُحصاةٌ عليهِ في كتابٍ مبينٍ، قالَ تعالَى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}. [يس: 12]. هذ،ا في حياتِهِ، أمَّا بعدَ وفاتِهِ فإنَّ الأثرَ الطيبَ الذي تركَهُ في مجتمعِهِ سيُكتبُ ويُسجلُ عندَ اللهِ تعالَى. ولذلكَ لمَّا أرادَ بنو سلمةَ أنْ ينتقلُوا قربَ المسجدِ نظرًا لبعدِ المسافةِ بينهُم وبينَهُ، أمرَهُم الرسولُ ﷺ بلزومِ ديارِهِم حتى تشهدَ لهم الأرضُ بالأثر الطيب وكثرةِ الخُطَى إلى المساجدِ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ»، قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلمَةَ: دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».(مسلم). أي: الزمُوا ديارَكُم فإنَّكُم إذَا لزمتمُوهَا كُتبتْ آثارَ خطاكُم الكثيرةِ إلى المسجدِ، قالَ تعالَى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}.(يــس: 12). يقولُ الإمامُ ابنُ كثيرٍ:” نَكْتُبُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي بَاشَرُوهَا بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فيجزيهم عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ”.