الوجه الآخر للبحر .. شواطئ الموت بالإسكندرية
حالة من الحزن بسبب كابوس حالات الغرق التى انتشرت فى شواطئ غرب الاسكندرية والساحل الشمالى وتزيدات بشكل كبير لتصبح بمثابة ناقوس يدق ناقوس الخطر يهدد حياة العشرات بل المئات من الأسر الذين يستهدفون المدن الساحلية للسباحة والغوص والعوم، والهروب من ارتفاع درجات الحرارة لقضاء مصيف آمن. ولكن للأسف يستيقظ المواطنون على كابوس الغرق.
فى الوقت الذى شهدت فيه شواطئ القطاع الغربى والعجمى، غرب الإسكندرية المفتوحة النسبة الأكبر بين حالات الغرق، وذلك بسبب مساحات هذه الشواطئ الشاسعة؛ الأمر الذى يجعل التحذيرات من نزولها مستمرًا فى ظل تكرار اعلان رفع الرايات الحمراء التى تحظر عملية نزول البحر أثناء رفع هذه الرايات.
وتعتبر شواطئ الإسكندرية الغربية والمعروفة بمجموعة شواطئ العجمى، هى الأكثر خطورة بالإسكندرية، وهى شواطئ تمتد بالشريط الغربى الساحلى، وبه عدد من الشواطئ الشهيرة والتى تجذب إليها آلاف المصطافين سنويا بسبب الطبيعة الساحرة لمياه البحر والرمال البيضاء الناعمة، إلا أن تلك الشواطئ الناعمة بها خطر مميت، حيث تتميز تلك الشواطئ بشدة التيارات المائية «الدوَّامات» نظرًا للطبيعة الجغرافية لتلك المنطقة الغربية والتى تعتبر بداية الساحل الشمالى، ولم يتم تنفيذ مشروعات حماية الشواطئ بها.
تفتح «الوفد» ملف شواطئ الموت وحصد المئات من أرواح المواطنين بسبب حالات الغرق

رائحة الموت
قال منعم السيد أحد المصطافين بالساحل الشمالى من شواطئ الإسكندرية إلى الساحل الشمالى وغيرها، أصبحت أخبار غرق المصطافين أمرا اعتياديا، وبسيناريوهات متشابهة، تشمل رفض الشخص الانصياع لتعليمات عمال الإنقاذ بعدم التوغل لمسافات بعيدة عن الشاطئ، أو عدم السباحة بالتزامن مع ارتفاع الأمواج أو سوء الأحوال الجوية، وتنتهى بانتشال جثمان غريق وسط صراخ أسرته.
وعندما نهرب من شواطئ العجمى التى للأسف تتميز بالخطورة المرتفعة فى السباحة خاصة لمن لا يجيدون السباحة فى التيارات المائية الشديدة «الدوامات»، نظرًا للطبيعة الجغرافية لتلك المنطقة الغربية. نفاجأ بحوادث غرق عديدة بالساحل الشمالى وآخرها الحادث المشهور.
تيمور تيمور
جاء غرق مدير التصوير تيمور تيمور أثناء إلاجازة الصيفية فى الساحل الشمالى، لرصد حادث مأساوى شديد الانسانية حيث غرق تيمور وهو ينقذ ابنه من الغرق، لكنه لم ينجُ من قبضة الأمواج العالية، والحادث كشف الوجه القاسى لأمواج البحر والتى ارتفعت بشكل غير مسبوق ورفعت الرايات الحمراء على الشواطئ لأيام طويلة، فى مشهد لم تعرفه المنطقة بهذه الحدة منذ سنوات. ولكن بعد أيام تناسى الحادث واستمر المصطافين فى النزول ولم يوجد وقفة من المسئولين لعدم تكرار الحادث وكأنه شيء معتاد أين المسئولون فيما يحدث؟
«الساحل فى خطر»
قالت سوزى عادل موظفة: المصطافون الذين قصدوا الساحل الشمالى بحثًا عن الراحة والهرب من حرارة أغسطس، فوجئوا ببحر لا يهدأ، تيارات مفاجئة تداهمهم، وموج متلاحق يضرب الشاطئ بلا توقف، فيما يقف المنقذون على الرمال يلوحون محذرين الناس من الاقتراب. قرى الساحل الشمالى أصبحت فى خطر يلزم المسئولين بالوقوف لهذه المهزلة وانقاذ المواطنين من الغرق لأننا بذلك سوف نبث الرعب فى المصطافين وخاصة الأجانب الذين يحضرون الى الساحل والقرى السياحية للاستمتاع بمياه البحر.
«المقبرة»
قال يسرى محمود مهندس للاسف شواطئ غرب الاسكندرية تحولت الى مقبرة جماعية بسبب التيارات المائية والمنطقة المفتوحة بلا حواجز، وهناك منطقة بشاطئ الهانوفيل تدعى «المقبرة» يصعب أى شخص مهما كان يجيد السباحة النزول فيها، لأنها تتميز بالخطورة الشديدة.
أما شاطئ «أبو تلات» فهو من أخطر شواطئ العجمى، حيث أدت الطبيعة الجغرافية لهذا الشاطئ بالقرب من مصب نهر النيل من اختلاط مياه البحر بمياه النيل ووجود تيارات مائية شديدة، حيث اشتهر شاطئ «أبو تلات» بالدوامات المستمرة طوال أشهر السنة، ولا يسمح بالسباحة به لخطورته.

«ضحايا الإهمال»
يقول فتحى عوف، وهو أحد منقذى شواطئ شرقى الإسكندرية الأوضاع بأنها باتت «مقبرة مفتوحة لضحايا الغفلة والإهمال، وتعد الشواطئ المفتوحة ملاذ الطبقات المتوسطة والفقيرة لقضاء بعض أيام من صيف مصر القائظ، بعيدا عن حرارة القاهرة والمدن، إلا أن غياب الأمان والسلامة، بات يطارد المصريين فى كل مكان.
فى خطوة غير مسبوقة طالبت بها محافظة الإسكندرية، صدر قرار صارم لـلإغلاق التام للشواطئ من الساعة 12 بعد منتصف الليل حتى 7 صباحًا. القرار جاء بعد أن ثبتت خطورته المتكررة عند غياب إجراءات السلامة الأساسية، وسط ارتفاع حوادث الغرق فى ساعات الليل المتأخرة. وغياب فرق الإنقاذ لا تتوفر فرق الإنقاذ بأعداد كافية أو جاهزية عالية فى منتصف الليل، ما يجعل أى حادث عرضة لتطور مأساوى بسرعة. لان الأمواج تصبح أكثر عنفًا، والرؤية ضعيفة، والتيارات قد تجر المصطافين بعيدًا دون إنذار مسبق.
«ملتم البحر»
وقال الكابتن إيهاب صبحى عبد المنعم، أحد الغطاسين المتطوعين إن معظم حالات الغرق كانت فى الساحل الشمالى يليها القطاع الغربى والعجمى، خاصة شهر يوليو بسبب ما يعرف بأن البحر فيه «ملتم» بسبب ارتفاع الأمواج فى الـ 15 يومًا الأولى من الشهر ذاته والذى يحظر فيه الصيد والملاحة، موضحًا أن الساحل الشمالى فى أحد الأيام شهد وقوع 7 حالات غرق من الشباب دفعة واحدة، وأن كل حالات الغرق من الشباب من سن 15 سنة إلى 25 سنة بعد أن رفضوا الامتثال لدور المنقذ.
وأشار إلى ضرورة توافر نقطة اسعاف فى الشواطئ، لأن المنقذ ليس له دراية صحية كبيرة وعلى المسعف سرعة التدخل لعمل التنفس المطلوب والـ سى بى ار، لإنعاش القلب ولابد أن يكون بأنابيب الأكسجين والأدوية والأجهزة التى تساعد ولابد من اسعافه قبل نقله إلى المستشفى.
وشدد قائد غواصى الخير، على ضرورة اتباع تعليمات الأمن والسلامة وقراءتها لاستيعاب ما فيها، وكذلك متابعة رفع الرايات، مشيرًا إلى أن النزول فى حالة رفع الرايات الخضراء فإن عملية النزول تكون آمنة.. وفى حالة رفع الرايات صفراء يكون النزول بحذر.. وفى حالة رفع الرايات الحمراء لابد الالتزام بعدم النزول، منوهًا إلى ضرورة متابعة تعليمات المنقذين والغطاسين.. وأخيرًا: النزول فى أوقات العمل الرسمية حتى تصبح مصر بلا غرقى.

غرب الاسكندرية
كشف الدكتور رأفت حمزة أستاذ بكلية التربية الرياضية أن جميع المسئولين بغرب المحافظة مسئولة عن حوادث الغرق التى تشهدها الشواطئ لأنه لم يوجد فرق انقاذ على كفاءة كبيرة تتمكن من إنقاذ المواطنين، مؤكًدا أن لو كان يوجد 4 فرق انقاذ متدربين كانوا تمكنوا من انقاذ ضحايا شاطئ ابو تلات ولكن للاسف فرق الانقاذ غير مدربة ولم تكن على قد المسئولين، كما أن مؤجر الشاطئ يلزم أيضا محاسبته، لماذا ترك المصطافين تنزل الشواطئ رغم ان ادارة المصايف أعلنت قبلها بيوم رفع الرايات الحمراء وعدم نزول المياه، وأين هيئة الإسعاف المصرى لإنقاذ المواطنين داخل مياه البحر؟
وأضاف ان أسباب الغرق فى شواطئ غرب الإسكندرية تنقسم إلى عدة عوامل تشمل عدم الالتزام بالتعليمات والنزول فى مناطق غير آمنة، والقوة الجارفة للتيارات المائية، وعدم معرفة السباحة فى أماكن غير مألوفة، بالإضافة إلى تجاهل علامات التحذير مثل الرايات الحمراء والقفز فى أماكن مجهولة القاع. كما أكد على خطورة شواطئ غرب المحافظة بسبب وجود تيارات قوية وحواجز صخرية خطيرة
أشار إلى أن نسبة الغرق بلغت 98% من الشباب خلال الفئة العمرية من 15 إلى 25 سنة تقريبًا وأن 2% من الأطفال والنساء، موضحًا أن سبب تعدد حالات الغرق النزول فى غير الأوقات الرسمية، وقيام مستأجر الشاطئ بفتح الشواطئ قبل وبعد مواعيد العمل الرسمية من أجل حصد الأموال.
وأوضح؛ أن الشواطئ لن تظل آمنة إلا بالتفتيش البحرى المستمر على البدلات والتأكد من توافر اللايف جاكيت، منوهًا إلى عدم توافره على الشواطئ خاصة وقت ارتفاع الأمواج، موضحًا أن اللايف جارد لابد وأن يحصل على التدريب اللازم والمستمر؛ ليكون جاهزًا للتعامل مع حالات الغرق وسرعة انقاذ الغريق، مشيرًا إلى أن الكثير منهم يفتقد لعمل ال سى بى ار للشخص الغريق بصورة خاطئة، ولابد من اختيار العنصر الكفء وزيادة عدد المنقذين المتدربين على الشواطئ، لافتًا أن الاتحاد الدولى للغوص والسباحة أشار إلى ضرورة تواجد غطاس كل 100 تقريبًا.
وحذر من ارتفاع نسبة الوفاة بما يعرف بـ «الموت الجاف» إذ إنه من المفترض وضع الشخص الذى جرى انقاذه من الغرق تحت الملاحظة الطبية لمدة 24 ساعة وهو ما لم يحدث بسبب عدم الوعى من بعض الأشخاص ويتسبب فى وفاة أعداد كبيرة بعد عودتهم لمنازلهم خلال 24 ساعة، إذ إن الرئة تتشبع بالمياه، وبالتالى إنقاذ الشخص وإعادة التنفس له ليس الوضع النهائى لمتابعة الحالة،
«محاسبة المسئولين»
قال أحمد سلامة منسق حقوق الانسان: إن حادث غرق الشواطئ بغرب الإسكندرية والساحل الشمالى الذى بدأ منذ بداية الصف واخرها حادث الفنان تيمور الذى لقى مصرعه بالساحل الشمالى وحادث ابو تلات الذى تسبب فى فى مصرع 7 اشخاص واصابة 28 اخرين، هو يؤكد انه ليس حادث غرق عادى بل هو جريمة إهمال، اين خدمات الإنقاذ على الشاطئ؟ أين خدمات الإسعاف على الشاطئ؟ الحل ليس غلق شواطئ الإسكندرية، الحل هو ادارة حكيمة ويلزم محاسبة المسؤولين عن تقاعس فرق الإنقاذ، والكشف عن أموال الرسوم التى لا تنعكس على الخدمات.
جريمة متكررة
وأكد الدكتور محمد السيد بكلية التربية الرياضية الإسكندرية، التى تتباهى بها الحكومة كعروس البحر الأبيض المتوسط، تتحول فى الواقع إلى مصيدة موت لآلاف المواطنين الذين يلجؤون إلى شواطئها هربًا من حرارة الصيف. أغلب هذه الشواطئ تعانى من غياب كامل لأبراج المراقبة، نقص فى فرق الإنقاذ، وعدم توافر وسائل إسعاف مجهزة.
ما حدث فى شاطئ أبو تلات وشواطئ الغرق يعكس نمطًا عامًا من الإهمال الإدارى، حيث تتحول حياة المواطنين إلى ثمن طبيعى لعجز المسئولين بالمحافظة عن القيام بواجباتها الأساسية. الحوادث البحرية فى الإسكندرية صيفًا، وغرق الشوارع فى الشتاء، تؤكد أننا أمام أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة طبيعة.
هل يعقل ان 7 طلاب فى عمر الزهور ابتلعتهن أمواج البحر وسط صرخات الاستغاثة التى لم تجد من يستجيب. حتى وصول سيارات الإسعاف جاء متأخرًا، والنتيجة كانت مأساوية.
وعقب الحادث نجد المسئولين يصدرون قرارًا وهميًا وهو غلق الشاطئ، ليس غلق الشواطئ بعد كل كارثة، كما تفعل السلطات كل صيف، كما حدث فى الأعوام السابقة، بل الحل أن يكون هناك مسئولون فعالون مع توفير البنية التحتية والرقابة والخدمات الأساسية.
اللافت أن هذه المأساة تتكرر سنويًا، ومع ذلك تكتفى المحافظة بنشر ببيانات مقتضبة وتعهدات لا تُترجم إلى واقع. بل فى كثير من الحالات، يكون الرد الوحيد هو إغلاق الشاطئ، كأن المشكلة فى المواطن وليس فى غياب الخدمات.
كارثة متوقعة
كشف أحد خبراء سلامة الشواطئ أن حادثة أبو تلات لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة إذا استمر إهمال المسئولين بالمحافظة.
أكد أن هذه المناطق تحتاج إلى تخطيط دقيق يشمل زيادة عدد المنقذين، وضع لافتات تحذيرية واضحة، توفير قوارب تدخل سريع، وإنشاء نقاط إسعاف ميدانية. لكن ما يحدث فعليًا هو تجاهل تام لهذه المطالب. أين تذهب الرسوم التى تُحصّل من المصطافين تحت مسمى تذاكر دخول الشواطئ؟ وأين الرقابة على الأحياء التى تدير هذه الشواطئ؟ فهذه الأموال كان يمكن أن توفر بنية إنقاذ متكاملة، لكن النتيجة أمامنا: أرواح تُزهق كل عام بسبب الإهمال.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض