رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى غابة شيروود الغارقة فى الضباب، تنطلق الحكاية كما تنطلق السهام من قوسٍ مشدود، لتلد لنا شخصية روبن هود، الفارس الخارج على القانون، الذى يسرق من الأغنياء ليهب الفقراء. لكنّ هذه الصورة، مهما ازدانت بخيوط الأسطورة ووشاح الرومانسية، تظل محصورة فى فضاء الحكايات التى تُروى على نيران المدفئة أو بين سرديات القصص الشعبية، حيث يتداخل الواقع بالخيال، والرمز بالابتسامة الحالمة.

فى مكان آخر بين الغابات الضبابية وأنهار الشمال الباردة، يقف روبن هود بقبعته الخضراء، يحكم قبضته على قوسٍ مشدود، ويترصّد الفرسان المذهّبين لينتزع ما يملكون ويعيده للفقراء. تحفّ به ظلال السنديان ووشوشة الأوراق، كأن الطبيعة الأوروبية كلها تمدّ له يد الحماية. قصته تولد فى الحانات الدافئة، وتزدهر على ألسنة الرواة، حيث يختلط نَفَس المغامرة برائحة الخشب الرطب وموسيقى القيثارة.

فى فضاء الصحراء المترامية، حيث تعانق الرمال الأفق، يقف عروة بن الورد، عارى الرأس أمام صفير الرياح، يمنح من القليل حتى يغدو العطاء ميثاق شرف ومثالًا يُحتذى. وخلاصة سيرته: سيف شجاع فى غمده، وكسرة خبز وحبات تمر فى جرابه، وبيت شعر يتردّد فى الفلاة على إيقاع خطوات جواده.

وقد لانرى فى زماننا وجها للفروسية ولامثالا للبطل الذى يطعم الجائع ويحمى الضعيف، فالمظالم تتكرر بأزياء جديدة، ويطل الفقر بوجهه العابس وسط ناطحات السحاب وشاشات الهواتف الذكية. ومع كل أزمة اقتصادية، وكل حرب تدفع الأبرياء إلى أرصفة المجاعة، نرى وجوه روبن هود تتكرر فى خطاب الشعارات، لكنّ روح عروة بن الورد نادرة الحضور فى واقعٍ يتطلب منّا الفعل قبل الحكاية، والعمل قبل الرمز. هنا يصبح عروة أكثر راهنية من أى وقت مضى؛ نموذجًا حيًّا لما يمكن أن يكون عليه الالتزام الإنسانى فى زمن اللامبالاة.

إذا نظرنا فى الحقل الدلالى لسيرة عروة بن الورد، وجدناه مشبعًا بألفاظ الكرم، والمواساة، والفعل المادى المباشر: «أطعم»، «أكسو»، «أحمل»، «أقاسم». هذه الأفعال الحركية تكوّن النواة الصلبة لسرديته، وتبنى صورة إنسانية واقعية متجذّرة فى الفعل الجماعى والتكافل. فى المقابل، نجد فى أسطورة روبن هود لغة رمزية مغموسة فى الخيال: «الغابة»، «القوس»، «السهم»، «اللص الشريف». هذه المفردات تعمل كمفاتيح لاستحضار فضاء أسطورى، وتخلق إيقاعًا سرديًا يقوم على المغامرة والتشويق أكثر من قيامه على التوثيق الواقعى للفعل الاجتماعى.

اللغة عند عروة نبضُ فعلٍ يضرب فى صميم الواقع ليبدّله، وعند روبن هود نسق حكايةٍ يتدفّق فى شرايين الخيال ليشكّله. وبين هجير البيداء القاحلة وظلال الغابة الوارفة، يرتسم المشهد كاملًا، فتلتقى الحقيقة بالحلم فى عناق جميل، ويغدو الشرق والغرب، والماضى والحاضر، أبيات مقفاة فى قصيدة إنسانية واحدة، تهتف بحق كل الناس فى الحياة الكريمة، وتعلن أن المساواة بين طبقات البشرهى مطلب كل قلبٍ حرّ وروحٍ أبيّة.