قطوف
بقعة قديمة تتسع
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

عندما همّ الابن بالذهاب إلى المدرسة لمحت الأم بقعة حبر قاتمة تشغل طرف قميصه, أسرعت إليه انتزعت القميص بسرعة وانهالت على البقعة بكل وسائل التنظيف المتاحة بعد أن ألبسته آخر مغسولاً ومكوياً مسبقاً، وقفت تنظر إليه وهو يغيب فى الباص وتتذكر يوماً بعيداً:
هبطت العصا الغليظة على الكف الصغيرة فغاصت فى المقعد... تلملم نظرات زميلاتها الساخرة وسباب المعلمة وتطوى عليهم كفها الملتهبة مع آهة مكتومة لم تخرج إلى المدى وجملة ستعلق فى ذاكرتها لزمن ممتد بلا نهاية «الكراسة قذرة كصاحبتها»، وأشارت إلى بقعة كبيرة فى المريولة استدارت واتسعت وابتلعت أشعة الشمس المتسربة من فراغ النافذة لتعكس لون التراب فى العيون فأشاحوا وجوههم عنها، بينما البنت تكتم غضبها وأنفاسها وتتحسر بصمت لعدم تمكنها من تبديل ملابسها بعد عودتها من المدرسة لأن زوجة أبيها لم تسمح لها بدخول الشقة بعد أن مسحتها ولمعت أرضيتها بالمعطر فجلست أمام باب الشقة لباقى اليوم... استطاعت إنهاء واجباتها المنزلية لكنها لم تستطع تنظيف يدها التى كانت تمسك بقرص طعمية بارد متبق من فطور الصباح فمسحتها فى المريولة والتى لن تدخل الغسالة سوى فى نهاية الأسبوع.... صارت فيما بعد تخشى من تلوث يديها أو ملابسها أو أدواتها حتى لو أمضت يومها بالكامل دون تناول طعام.
غاب الباص بعيداً عن ناظريها وعادت لبقعة الحبر المستعصية تمارس عليها طقوسها القديمة عندما تعجز كل وسائل التنظيف لا يتبقى سوى ملح عينيها تسكبه فوقها.