«يا خبر»
انعقد مؤتمر «حل الدولتين» فى نيويورك برئاسة سعودية فرنسية، فى لحظات حرجة بدا فيها «حل الدولتين» مهدداً أكثر من أى وقت مضى، بالنظر إلى الحرب فى غزة وما سببته من دمار ومعاناة مستمرة بين المدنيين، إلى جانب تسارع وتيرة الاستيطان فى الضفة الغربية، وتزايد عنف المستوطنين المتطرفين، وكذلك تزايد عدد الداعين إلى عدم الاعتراف بحل الدولتين داخل الائتلاف الحاكم فى إسرائيل، وإلى ضم الضفة الغربية فى خطوة أقرها الكنيست الإسرائيلى قبل بضعة أيام.
مجهود كبير ومقدر بذلتها المملكة العربية السعودية وفرنسا معا، من الإنصاف الإشاده به لاسيما أنه قدم فيما هو أشبه بالتحدي، أو كما قال وزير الخارجية المصرى الدكتور بدر عبدالعاطى فى سياق حديثه عن المؤتمر وأثناء مشاركته فيه، إن هذه الخطوة الكبيرة من السعودية وفرنسا حركت الماء الراكد تجاه القضية الفلسطينية موجها الشكر للسعودية وفرنسا على الرئاسة المشتركة للمؤتمر، والحرص على عقده فى لحظة شديدة الخطورة لمنطقتنا.
توافقت الدول المشاركة فى المؤتمر على اتخاذ خطوات ملموسة ومرتبطة بإطار زمنى لا رجعة فيها من أجل تسوية القضية الفلسطينية، معتبرة حل الدولتين هو المسار الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق السلام بالمنطقة، وأن قيام دولة فلسطينية هو مفتاح السلام، وجددت فرنسا التزامها بالاعتراف بدولة فلسطينية فى سبتمبر، كما أعلنت بريطانيا فى اليوم الثانى للمؤتمر نيتها الاعتراف بفلسطين فى سبتمبر، كما فتح المؤتمر حواراً مع عدد من الدول الأوروبية والآسيوية لدفعها للاعتراف بدولة فلسطين، وأفادت تقارير بأن بريطانيا قد تضغط على دول كبرى أخرى مثل ألمانيا وأستراليا وكندا واليابان للسير على المنوال نفسه.
صدرت الوثيقة الختامية للمؤتمر تحت اسم «إعلان نيويورك»، باتفاق على اتخاذ إجراءات جماعية لإنهاء الحرب فى قطاع غزة، وتحقيق تسوية عادلة وسلمية ودائمة للصراع الفلسطينى - الإسرائيلى، استناداً إلى تنفيذ حل الدولتين، وبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين وجميع شعوب المنطقة.
دعت الوثيقة إلى دراسة إنشاء بنية أمنية إقليمية، فى سياق قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، توفّر ضمانات أمنية للجميع، وإنشاء لجنة إدارية انتقالية فوراً بعد وقف إطلاق النار لتولى إدارة شئون غزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية.
فى رأيى أن للمجهود السعودى الفرنسى فى هذا المؤتمر بعدا آخر غير المخرجات الفعلية التى ستأخذ طريقها للتنفيذ، وهو بعد أخلاقى تمثل فى إحراج المجتمع الدولى ومؤسساته لاسيما الأمم المتحدة التى تدخل عامها الثمانين وتبدو كعجوز غير قادر على رفع الظلم عن المظلومين، وهى التى تأسست فى الأساس لفض النزاعات بالطرق السلمية وحفظ الأمن والسلم الدوليين، لكنها اليوم عجوز عاجز تتفرج على قتل الأطفال والنساء وهم يتوجهون للحصول على المساعدات الإنسانية فى غزة، من دون حول لها ولاقوة، الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، لا يملك إلا الحديث، نعم الرجل يتألم لألم الغزيين وهذا واضح بالفعل لكن ليس بيده شىء، فنظام مجلس الأمن الذى يعمل بحق الاعتراض «الفيتو» يضمن لإسرائيل حماية دولية من أى قرار من الممكن أن يتخذ ضدها، من ضمن ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة فى مؤتمر حل الدولتين: «إن الفلسطينيين يحرمون من حقوقهم ويضطرون للحياة تحت ظلم مستمر، كما يُطردون من أرضهم»، لكن هذا يبقى كلام.
مؤتمر حل الدولتين لتسوية القضية الفلسطينية فى الأمم المتحدة يظهر للعالم كم أن إسرائيل أصبحت منبوذة، اختارت العزلة التى فرضتها حول نفسها بما ترتكبه من جرائم فى غزة.
ولا يمكن فى هذا السياق الأخلاقى تجاهل الشرط السعودى الواضح والصريح الذى أعلنه ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان بأنه لا تطبيع مع إسرائيل من دون قيام دولة فلسطينية، ولا تطبيع فى ظل وجود معاناة فى غزة، وأى محادثات فى هذا الصدد ستتم بعد إنهاء الحرب فى غزة، ولذا فإنه ما من مصداقية لأى مناقشات متعلقة بالتطبيع مع كل ما يحدث من دمار ومعاناة فى غزة.
ما فعلته السعودية ينطلق من واجبها العربى تجاه القضية الفلسطينية، هذه لحظة عروبية يجب أن نثمنها ونشكر بلاد الحرمين الشريفين، وفرنسا، وندعو إلى المزيد من الضغوط الدولية العربية فى اتجاه الحل السياسى للقضية الفلسطينية، كل بلد عربى يقدم ما يقدر عليه، فمصر وقطر تلعبان دور الوسيط الفاعل لإنهاء هذه الحرب، ومصر تعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب الأساسية وتعمل منذ عشرات السنين من أجل حل الدولتين وتكثف جهودها لوقف الحرب فى غزة، وإنهاء الكارثة الإنسانية التى يتعرض لها المدنيين، من خلال استئناف السماح بدخول المساعدات الإنسانية وتعمل مع قطر إلى جانب الولايات المتحدة لهذا الغرض.
الخلاصة: بعد مؤتمر حل الدولتين أصبح لدينا وثيقة ختامية معتمدة ليس فقط من فرنسا والمملكة العربية السعودية، ولكن أيضاً من قبل الرؤساء المشاركين الـ27 لمجموعات العمل فى المؤتمر، وبينهم بعض الشركاء الغربيين والعرب الرئيسيين، فيها مقترحات شاملة، وتشكل إطاراً متكاملاً وقابلاً للتنفيذ يجب العمل عليه من أجل تطبيق حل الدولتين.