نبض الكلمات
في عالم يضجّ بالهموم، ويسير فيه العاقل فوق حبال منطقٍ ممدودة على نار الحياة، يبدو المجنون في قمة النعيم. كيف لا، وهو من تحرّر من قيود العقل، وتخلّى عن منطق لا يجلب سوى الألم؟!..العاقل يتألم من تفاصيل الحياة، من تناقضات البشر، من فوضى الواقع، ومن ثقل المعرفة. يعرف أن العالم ليس بخير، يرى الظلم، ويشعر بالعجز. أما المجنون، فلا يهمه ما يحدث في نشرات الأخبار، ولا تعنيه مؤشرات الاقتصاد، ولا تصيبه نوبات القلق الوجودي ، المفارقة أن المجنون قد يكون خاسرًا في نظر المجتمع، لكنه الرابح في معركة النفس. فهل نحن من نحتاج إلى الجنون، أم أن العقل هو الذي أفسد علينا متعة الحياة؟!..أحيانًا، حين ينهكك التفكير، وتشعر أن وعيك عبء لا ميزة، ستفهم المعنى العميق وراء الجملة "المجانين في نعيم".
فأصعب المعارك ضد من يؤمن بأنه ذكي على الرغم من غباءه، لأنك لا تستطيع توقع الخطوه القادمه من الحمار، كلمات شهيره من اختراع عظماء الفلاسفة، اعتراضي على شخص الحمار المسكين، فما ذنبه ب "معاتيه البشر" فهو برئ من أفعالهم ودنو اخلاقهم وسفاهة تفكيرهم، فغالبا ليس العقل السليم في الجسم السليم، إذا كان القلب مصاب بالعطب والأمراض، فحينها يكون فاقد العقل سليم كثيراً، سليم القلب يؤتمن حتى في عداوته، ومرضي القلوب لا يؤتمنون حتى في صداقتهم، فأهلا بالمجانين أنقياء القلب وأصحاء السريره..."المجانين في نعيم" مثل مشهور نتأكد يوماً بعد يوم من صحة هذه المقولة، نحن نعيش فى دوامات كثيرة فى السنين الأخيرة، ومن لديه عقل ويفكر للمصلحة العامة فهو سوف يكـــون تعسا، شاردا، غاضبا، الهموم تحيط به فى كل لحظة وكل مكان، غالباً مكتئب ويذهب بخياله لبعيد بعيد الي حد يطوف به عنان السماء وأمامه طريقان لا ثالث لهما، الأول أن يعقل ويسير مع القطيع، والطريق الثانى أن يخبِط رأسه فى الحِيط ويحارب طواحين الهواء. وطبيعى سوف يكون هو الخاسر، ولذا فالمجنون، أو من فقد عقله، هو السعيد فى هذا الزمن، فهو ينأى بنفسه عن التفكير فيما يدور حوله، فكانوا يسألوننا ونحن صغار: ماذا تريدون أن تصبحوا إذا كبرتم؟ وكنا نجيب بكل براءة: أريد أن أصبح طيارا، طيباً، مهندساً او شرطي لو علمنا أن الحياة هكذا، لامتنعنا عن الإجابة، أو لفاجأناهم بإجابة غير متوقعة وقلنا: ''أريد أن أكون سعيدة فقط من هول ما رأيناه خلال أعمارنا في دنيا العجب، لأقول لنفسي فعلا "المجانين في نعيم" .. ويبدو أن الذين أطلقوا هذا المثل هم العقلاء، الذين كانوا ولا يزالون يئنون تحت وطأة مشكلات الحياة وأزماتها التى لا تنتهى..هؤلاء وحدهم هم الذين يدركون كم هو أليم وموجع ومحزن هذا الواقع الذى يعيشونه..هم وحدهم الذين يشعرون بالمآسى والكوارث التى تقع أمامهم وحولهم؛ على كل المستويات..والحقيقه اني اعذر هؤلاء المجانين وايضا العباقره الذين قد يصلوا بعقولهم إلى حد الجنون فبينهم "شعره" كحد فاصل بين العبقري والمعتوه والتاريخ ملئ بنماذج عظيمه غيرت مسار البشريه باختراعاتها التي قدمت حلول كانت بمثابة عقد ، وهناك نوعان من الجنون في رأي الفلاسفة والحكماء مما يطلق عليه جنونا، الجنون الذي يكون صاحبه فاقد لعقله ويفعل أشياء لن يفكر عاقل في فعلها ، وجنون الإبداع هو تلك الأفكار التي لم تخطر على قلب بشر وتبدو في ظاهرها ضربا من الجنون لكنها تظهر في النهاية قمة الإبداع، ومن خلال التطلع إلى السيَر الذاتية لحياة المبدعين والعباقرة، يمكن أن نكتشف أن الكثير منهم انتهت حياتهم على أثر الاضطرابات النفسية كانت محيطه بهم ،وحالات الاكتئاب الشديدة كانت وراء سر ابداعهم، كالموسيقار الكبير بتهوفن الذي أنهى حياته بـاخذ كمية من الحبوب المهدئة ، وقد قام بذلك بعد أن جاوز 56 عاما من العمر، والكاتب "ارنست همنجواي" الذي أدمن على تعاطي الكحول بصورة شرهة وغير طبيعية مما أدى إلى إصابته بأمراض خطيرة، ومن ثم موته منتحرا في الـ 60 من العمر بإطلاقه رصاصتين على رأسه...والعبقري "فريدريك نيتشه"صاحب الكتب والأفكار المثيرة للجدل، حيث عانى من الاضطرابات النفسية الشديدة التي أصابته في نهايات عمره بالجنون الكامل، وثمة كتّاب عرب أيضا، من أمثال نجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور اللذان عانا بدورهما من حالات الاكتئاب والاضطرابات النفسية الشديدة...الحقيقه أن كتب الأدب والتاريخ مليئه بمناذج مشرفة من العباقرة الذين لديهم قدرات استثنائيه الذين وصلوا إلى حد الجنون في الفكر والإبداع، كلمة شهيره للعبقري "نزار قباني "أنا مجنون في منطق المدينة التي لم يهذبها الجنون , لم يعطرها الجنون"، والفيلسوف" الألماني فردريك نيتشه" الذي ازدادت حدة جنونه مع تفاقم تطرف أفكاره، وهناك جنون الرسام الهولندي المشهور" فان جوخ" الذي دخل مصحة عقلية، فهل صحيح أن المبدعين مجانين !؟ ، الأصح أن نقول إنهم كانوا سيصبحون مجانين، لولا أنهم أصبحوا مبدعين، إن سيرة وحياة الشاعر قيس بن الملوح الملقب بمجنون ليلى تشير إلى أن هناك خيطاً رفيعاً بين الإبداع "الشعري" والجنون. ولقد أورث الحب جنوناً إلى ذلك الشاعر فجعله يبدع أشعاراً رائعة تستحق التأمل. وربما تفتح سيرته الشعرية والحياتية المجال أمام الباحثين لدراسات لمعرفة إمكانية ارتباط الإبداع بالجنون بسبب رحلة البحث عن السعاده التي تكمن بالأصل بالقرب من الله والرضا بقدره، فالإبداع والجنون معايير الفرق شعره، تماما كمعايير نراها يوميآ بين ألوان البشر فقد يعتلي ظهر الجياد ذباب، ويقود أسراب الصقور غراب والمنافق موثوق منه من علية القوم، واخيرا إذا ملأت عقلك بصغائر الأمور ، فلن يبقى فيه مكان لكبارها فالعقل كالحقل تماما ، إن لم تتعاهده بالنباتات الجيدة ، نمت فيه الحشائش الضارة.
رئيس لجنة المرأه بالقليوبيه وسكرتير عام اتحاد المرأه الوفديه
magda_sale7@yahoo. com