رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

دينا دياب تكتب: يحيى الفخرانى.. الملك لا يشيخ

بوابة الوفد الإلكترونية

فى صالة المسرح القومى، انطفأت الأنوار وعمّ الصمت. ثوانٍ قليلة فصلت الجمهور عن الدخول إلى عالم من العظمة والتراجيديا، عالم «شكسبير»، لكن بلهجة وروح مصرية خالصة.

دخل يحيى الفخرانى خشبة المسرح، ولم يكن مجرد ممثل يؤدى دورًا، بل كان «الملك» حقًا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هناك شىء سحرى يحدث حين يقف هذا الرجل على الخشبة، كأن الزمن يتوقف احترامًا لهيبته، وكأن اللغة تنحنى لصوته، وكأن الدراما نفسها تتحول إلى كيان حى يتنفس من خلاله.

فى عام 2025، وبينما كانت الأضواء تتجه إلى تكريم رموز الثقافة العربية، لم يكن مفاجئًا أن تختار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «ألكسو»، الفنان المصرى الكبير الدكتور يحيى الفخرانى رمزًا للثقافة العربية. فهو ليس مجرد ممثل، بل مؤرخ فنى بصوته، وذاكرة أمة بأدواره، وقيم متحركة على المسرح والدراما. اختيار جاء فى توقيت مثالى، ليتزامن مع عودته الثالثة لتجسيد شخصية «الملك لير» على المسرح، الدور الذى لا يتقنه إلا من فهم الحياة وتذوق مرارتها.

ليس غريبًا إذًا أن يُختار رمزًا للثقافة العربية فى هذا العام بالذات. فبينما يتغير العالم من حولنا، ويبتعد الكثيرون عن المسرح، يصر الفخرانى على أن يعود إليه، كأنما يقول لنا جميعًا: «الفن باقٍ، وأنا باقٍ معه».

المفارقة الأجمل أن هذا التكريم يتزامن مع بلوغه عامه الثمانين. كثيرون عند هذا السن يكتفون بما مضى من أمجاد ويجلسون على كراسى التكريم منتظرين التصفيق، لكن الفخرانى كان مختلفًا كعادته. فى عامه الثمانين، لم يكن فقط حاضرًا، بل مُعلمًا، صانعًا للحظة، ومُلهمًا لأجيال.

هو لا يحتفل فقط بمرور 80 عامًا على ميلاده، بل يحتفل بقدرة الفن على تحدى الزمن، وبقوة العطاء التى لا تُقيدها السنون.

منذ أن وطئت قدماه خشبة المسرح مجددًا، أعاد الحياة إلى «الملك لير» بشكل مختلف. هو لم يؤدِّ الدور فحسب، بل أعاد كتابته على ملامحه، بصوته، بجسده، بانفعالاته، وكأن كل خلية فى جسده تحولت إلى نص حى نابض.

يقول من شاهدوه فى عروض «الملك لير» فى 2001، ثم فى 2019، والآن فى 2025: «نفس الشخصية، نفس النص، لكن كل مرة كأنها المرة الأولى». تلك هى المعادلة السحرية التى يملكها الفخرانى وحده: أن يقدم نفس الدور ثلاث مرات، على مدار أكثر من عشرين عامًا، ولكن لا يُشبه نفسه فى أى منها. بل يضيف، يغير، يغامر، يلون الأداء بظلال عمره وتجربته ونضوجه.

لم يكن المسرح وحده من تغير، بل حتى فريق العمل تغير. الوجوه اختلفت، الأصوات تبدلت، ولكن القاسم المشترك كان واحدًا: يحيى الفخرانى.

وهو، وسط كل هذا التبدل، كان الثابت الذى يلهم كل من حوله. لم يكن فقط بطلاً للمسرحية، بل كان ركيزتها، مرجعها، وضوءها الذى لا ينطفئ. وبين لحظة يضحك فيها الجمهور من عفويته، ولحظة يذرفون فيها دمعة من عمق أدائه، كان يثبت للجميع أن السن ليس عائقًا أمام الفن، بل ربما يكون سرّه.

فى عرض هذا العام، لم يكن الجمهور يصفق فقط لأداء متميز، بل كان يصفق لتاريخ طويل، لحكاية رجل لم يتوقف يومًا عن الإبداع، لرؤية فنان يواصل تعليم الأجيال درسًا بعد آخر على خشبة المسرح.

وربما من أكثر اللحظات التى لن تُنسى، الفخرانى راح يصول ويجول على خشبة المسرح كأنه ابن العشرين، بخطواتٍ فيها من الثقة والعزم من يعرف أنه يمشى بالعكاز.

صحيح أنه جلس فى بعض المشاهد، لكنه لم يكن جالسًا كجسد، بل كان كل كيانه يتحرك داخل الشخصية، وكأن جلوسه جزء من التعبير لا من العجز.

دخل فى الشخصية وتقمّصها حد الاندماج، حتى إنه عندما بكى طفل صغير فى القاعة، أوقف العرض للحظة، ونظر نحوه بصمت مهيب، كأن راهبًا خرج من صلاته فجأة، تلك اللحظة وحدها كانت كافية لتُدرَّس، لا كمجرد أداء مسرحى، بل كفن التعامل مع الجمهور، والاحتفاظ بروح اللحظة دون كسر الإيهام.

ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة المسرحية العظيمة بمعزل عن الظروف المحيطة بها. فقد كان للدكتور أيمن الشيوى، رئيس المسرح القومى، دورٌ واضح ومؤثر فى ولادة هذا العرض بهذه الصورة المُبهرة.

فهو الذى أراد أن تكون هذه المسرحية مسك ختام رحلته فى إدارة المسرح القومى، فبذل كل ما يستطيع لتذليل العقبات، وتقديم كل التسهيلات والاستعدادات الممكنة، كى يخرج العرض فى صورة تليق باسم المسرح القومى، وتُحفظ فى ذاكرة المسرح المصرى والعربى كعلامة من علامات التجديد والوفاء للفن الحقيقى.

وعلى مستوى الإخراج، نجح المخرج شادى سرور، الذى سبق له تقديم عرض «الملك لير» فى نسخة سابقة، أن ينافس نفسه هذه المرة. استعان برؤية بصرية حية، دمج فيها عناصر الإضاءة والديكور والموسيقى والاستعراض بشكل يخطف الأنفاس. ولعل أكثر ما أثار الإعجاب هو مشاهد الحرب التى نُفذت على خشبة المسرح، بمستوى من الإتقان والخيال قلما نشهده فى المسرح المصرى الحديث؛ فقد كانت حية، مدروسة، ومليئة بالرمزية، كأنها تنقلنا إلى قلب المعركة لا مجرد مشاهدتها.

أما فريق العمل، فجاء على قدر الرؤية، وضم كوكبة من الفنانين الذين أبدعوا فى تجسيد الشخصيات الشكسبيرية بكل أبعادها، فقد تألقت إيمان رجائى فى دور الابنة الوسطى «ريجان»، بشخصية ماكرة تنضح دهاءً وقوة.

وجسدت أمل عبد الله الابنة الكبرى «جونريل» بحضور مأساوى يفيض بكبرياء بارد، أما لقاء على، فقدمت «كورديليا»، الابنة الصغرى، ببساطة تُبهج الروح، تحمل الطهر وسط بحر من الطمع والخيانة.

وأبدع طارق الدسوقى فى دور «جلوستر»، بكل صراعاته النفسية والإنسانية، ليؤكد أنه «غول تمثيل» بحق، وظهر تامر الكاشف كـ«إدجار»، الابن البار، بروح تمرد وانكسار فى آنٍ واحد، فى مقابل أحمد عثمان الذى قدّم «إدموند» الشرير بذكاء قاتل.

وكان عادل خلف فى دور المهرج، كظلّ للملك، يعكس حكمته وسخريته من العالم، بحضور طاغٍ، كما شارك فى العمل فنانون مميزون مثل محمد العزايزى، حسن يوسف، ريم عبد الحليم، بسمة دويدار، طارق شرف، ومحمد حسن، فى أداء متناغم جمع بين الخبرة والعفوية، وخلقوا معًا نسيجًا تمثيليًا شديد الإتقان.

فى هذه التوليفة، لم يكن العمل مجرد عرض مسرحى، بل ملحمة فنية متكاملة. كل عنصر فيه – من إخراج وتصميم واستعراض، حتى أصغر تفاصيل الأداء – كان يصبّ فى خدمة رؤية واحدة: أن «الملك لير» ليس مجرد نص يُعرض، بل روح تُبعث من جديد.