رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى


يبدو أن التاريخ لا يعيد نفسه فقط، بل يسخر منا أحيانًا حين نكرر أخطاءنا بنفس الإصرار والعناد!
فغياب المعارضة الحقيقية في المشهد السياسي لا يُضعف فقط مسار الحريات، بل يفتح الباب لانهيار اقتصادي تتهاوى معه مفاصل الدولة. فالمعارضة ليست عدواً، بل درعٌ حامٍ وسيفٌ ناقد، لا يمكن لدولة عاقلة أن تفرط فيهما. فالسياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، وإذا فُقدت المعارضة الحرة الواعية، اختل التوازن، وسادت الفوضى الاقتصادية.
ولعل أحد أبرز النماذج التي يمكن العودة إليها لفهم عمق هذا التشخيص، هو ما كشف عنه الكاتب الكبير د. أحمد بهاء الدين في مقاله الشهير بتاريخ 13 يوليو 1974، تحت عنوان: "الانفتاح ليس سداح مداح!".

حين غضب السادات من مقال

لم يكن المقال مجرد رأي عابر، بل زلزل الأوساط السياسية حينها، ودفع الرئيس السادات للاتصال بغضب بد. بهاء الدين، معتبرًا أن المقال يعوق مسار "الانفتاح الاقتصادي" الذي بدأ تطبيقه بعد ثلاثة أشهر من صدور قانونه. وقد أدت الضجة المحيطة بالمقال إلى توتر داخل مجلس الوزراء، وتعرض رئيس الحكومة حينها د. عبد العزيز حجازي لحملة تشويه في الصحف، بل وتخلي بعض الأجهزة عن التعاون معه.
ولدى لقاء د. بهاء الدين برئيس الحكومة شخصيًا، شرح له حجازي كيف أن القانون الجديد سمح ولأول مرة بالاستيراد دون تحويل عملة – أي أن تُدفع قيمة السلع المستوردة من مدخرات المصريين بالخارج مباشرة دون أن تمر عبر البنوك المصرية.
ورغم أن الهدف الظاهري كان تسهيل وصول مستلزمات الإنتاج المحلي، فإن ما حدث كان العكس تمامًا. فالسوق امتلأت بالبضائع الاستهلاكية: فستق، شوكولاتة، مشروبات مستوردة… وكلها لا يحتاجها وطن خرج لتوه من حرب 67 – 73، وكان بأمسّ الحاجة إلى صناعة وطنية قوية.

من اقتصاد وطني إلى فوضى استهلاكية

اعترف حجازي لاحقًا أن قوى غير مرئية – وصفها بـ"العاتية" – دفعت السوق إلى هذا الاتجاه، وأن ساحة الاقتصاد امتلأت بـ"أشباح رجال أعمال" أغلبهم بلا هوية واضحة أو خلفية صناعية، وبدأت رائحة الفساد تزكم الأنوف.
لم يكن الانفتاح سوى بوابة لانفلات اقتصادي ضخم، سحب البلاد نحو الاعتماد الكامل على الخارج، بدلًا من بناء اقتصاد وطني مستقر. وما لبث أن استُبدل د. حجازي بـممدوح سالم، وتضاعفت الفوضى.
في الوقت ذاته، ارتفعت أسعار النفط عالميًا بعد حرب 73، وبدأت التحويلات المالية من ملايين المصريين بالخارج تتدفق. فبدلًا من تحويل تلك السيولة الهائلة إلى استثمارات إنتاجية، تُركت لترتع في الأسواق الاستهلاكية، مما فتح أبواب الجشع والاحتيال والفساد.

ديون تتضاعف.. واقتصاد يتآكل

كانت النتيجة كارثية: ارتفعت ديون مصر من مليار دولار إلى 30 مليار دولار في أقل من عشر سنوات. وتم إهدار فرصة تاريخية لتحقيق نهضة اقتصادية حقيقية. بل إن البلاد اضطرت لاحقًا إلى انغلاق اقتصادي اضطراري، لم يكن خيارًا بل فرضه الدائنون، نتيجة سنوات من التسيب والفساد وغياب الرؤية.

غياب المعارضة.. بداية الانهيار

لم يكن د. بهاء الدين وحده من دق ناقوس الخطر، لكنه كان الصوت الوحيد تقريبًا في ظل غياب صحافة معارضة حقيقية أو أحزاب فاعلة. ولأن المسؤولية لا تتجزأ، فقد اختار مغادرة منصبه في جريدة الأهرام، إيمانًا بعدم المشاركة في منظومة اقتصادية تُدار بلا حسيب أو رقيب.
لقد كان الانفتاح، كما عايشه بهاء الدين وغيره من العقلاء، فرصة ضائعة، حولت الاقتصاد من إنتاج إلى استيراد، ومن صناعة إلى استهلاك، ومن سياسة اقتصادية إلى فوضى متحررة من أي ضوابط.

فما أشبه اليوم بالبارحة...!

إن مصر، كما كانت دائمًا، مستهدفة من قوى كبرى لا تريد لها أن تنهار كليًا – لأن سقوطها كارثي على المنطقة – ولا أن تنهض نهضة حقيقية – لأن في نهضتها قوة وإلهامًا. لذا، فهي مطلوبة طافية فقط: لا تغرق ولا تتنفس. مجرد بقاء.
فهل نعيد ارتكاب الأخطاء نفسها اليوم؟ هل ننتظر موجة جديدة من الانفتاح غير المنضبط، أم نتعلم من التاريخ ونصيغ رؤية اقتصادية وطنية قائمة على الإنتاج لا الاستهلاك، على العمل لا الترف، وعلى المعارضة الوطنية لا الصمت المريب؟
إن السياسة بلا معارضة هي جسد بلا مناعة، والاقتصاد بلا رؤية وطنية هو سفينة بلا دفة. وإن لم نستفِق اليوم، سنظل نعيد الخطايا نفسها، ولكن بثمن أغلى في كل مرة.