تعدد الزوجات بين الإباحة والعدل.. ضوابط شرعية ومسئوليات إنسانية
أباحت الشريعة الإسلامية تعدد الزوجات، ولكنها لم تترك الأمر مفتوحًا دون ضوابط، بل شددت على ضرورة العدل والمساواة بين الزوجات، وهو ما نص عليه قول الله تعالى: "فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً" [النساء: 3].
ورغم انتشار ظاهرة التعدد في بعض المجتمعات خلال السنوات الأخيرة، فإن كثيرًا من الأزواج يغفلون الضوابط الإيمانية والإنسانية التي وضعها الإسلام لضمان التوازن النفسي والعاطفي بين الزوجات.
عدل لا تفضيل
يؤكد فقهاء المذهب الحنفي أن العدل بين الزوجات واجب شرعي لا يُقبل فيه الاستثناء، فلا فرق بين زوجة قديمة أو حديثة، بكر أو ثيب، غنية أو فقيرة؛ فالجميع زوجات لهن نفس الحقوق.
وكان السلف الصالح أشد الناس حرصًا على تحقيق هذا العدل. فقد قال مجاهد: "كانوا يستحبون أن يعدلوا بين النساء حتى في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لتلك".
بل نقل عن جابر بن زيد قوله: "كانت لي امرأتان، وكنت أعدل بينهما حتى في القبل".
أما محمد بن سيرين، فكان يرى أنه من غير اللائق حتى أن يتوضأ الرجل في بيت إحدى زوجتيه دون الأخرى، حرصًا على المساواة التامة في كل شيء، ولو في أبسط الأمور.
العدل فريضة لا خيار فيها
العدل بين الزوجات لا يقتصر على النفقة أو المبيت، بل يمتد ليشمل كل تفاصيل الحياة، حتى النظرة والكلمة، وكل تصرف يحمل في طياته تمييزًا أو تفضيلًا قد يترك أثرًا نفسيًا لدى إحداهن.
وقد توعد النبي ﷺ من يخلّ بهذا الواجب بقوله:"من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل" – رواه أبو هريرة.
فالعدل هنا ليس فقط فضيلة، بل فرضٌ شرعي، والإخلال به يدخل في باب الظلم الذي نهى الله عنه.
الجانب الإنساني.. الغيرة وجبر الخاطر
تعيش الزوجات في ظل التعدد مشاعر متشابكة، وعلى رأسها الغيرة، وهي غريزة فطرية تتأثر بأبسط الأفعال والكلمات. وقد نبّه النبي ﷺ إلى ضرورة التعامل مع النساء برفق، فقال:"رفقًا بالقوارير"، في تشبيه جميل للمرأة بالقارورة الزجاجية التي يسهل كسرها.
فالكلمة الجارحة، أو الموقف المحرج، قد تترك في نفس المرأة أثرًا بالغًا، وقد تهدم أنوثتها وثقتها بنفسها. لذلك فإن الزوج مطالب بأن يتعامل بحنان واحترام، ويتجنب الإهانات أو الاستفزاز، وأن يُدرك أن جبر الخواطر عبادة، كما قال بعض الصالحين:"جبر الخواطر على الله، وما عبد عبد ربه بأحب إليه من جبر الخواطر".