رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الأمن أولًا والتطبيع لاحقًا

بوابة الوفد الإلكترونية

مفاوضات غير معلنة بين دمشق وتل أبيب برعاية أمريكية

 

كشفت مصادر متعددة لوكالة رويترز عن أن سوريا وإسرائيل دخلت مؤخرًا فى محادثات مباشرة، وجهاً لوجه، فى خطوة وصفت بالنادرة والمفصلية، بعد عقود من القطيعة والعداء المزمن بين الطرفين. تأتى هذه المحادثات وسط تراجع ملحوظ فى الضربات الجوية الإسرائيلية داخل الأراضى السورية، وتغير دراماتيكى فى الموقف الأمريكى من دمشق فى أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، وصعود حكومة جديدة توصف بأنها إسلامية الهوى، لكنها براجماتية فى نهجها الخارجى.

وبحسب ستة مصادر مطلعة تحدثت إلى رويترز اثنان منها سوريان، واثنان غربيان، إضافة إلى مصدر استخباراتى إقليمى فإن اللقاءات المباشرة جرت خلال الأسابيع الأخيرة، بموازاة اتصالات غير علنية عبر قنوات خلفية بدأت منذ ديسمبر الماضى، عقب سيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة فى دمشق. وقد لعبت أطراف إقليمية مثل الإمارات دورًا مهمًا فى تهيئة المناخ لهذه القنوات.

أحمد الدالاتى، المسئول الأمنى البارز الذى عين محافظًا للقنيطرة بعد الإطاحة بالأسد، كان وفق المصادر أحد الوجوه القيادية فى تلك الاجتماعات. غير أنه نفى أى مشاركة مباشرة، وقال فى تصريح رسمى لقناة الإخبارية السورية: «أنفى بشكل قاطع مشاركتى فى أى جلسات تفاوض مباشرة مع الجانب الإسرائيلي»، مؤكدًا أن «القيادة السورية مستمرة فى اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية الشعب السورى والدفاع عن سيادة ووحدة أراضى الجمهورية».

لم تعرف بعد هوية المفاوضين من الجانب الإسرائيلى، لكن اثنين من المطلعين رجحا أن يكون الوفد الإسرائيلى مكوّنًا من شخصيات أمنية رفيعة. وقالت ثلاثة مصادر إن اللقاءات عقدت عدة مرات على الحدود، بعضها داخل مناطق تخضع لسيطرة إسرائيل.

الإعلان الأولى عن هذه الاتصالات جاء من الرئيس السورى المؤقت أحمد الشرع فى مايو الجارى، حين أقرّ بوجود محادثات غير مباشرة مع إسرائيل تهدف إلى تهدئة الأوضاع، فى تصريح نادر أتى بعد تقارير عن وساطة نشطة قادتها دولة الإمارات.

وقد بدأت إسرائيل، منذ سقوط الأسد فى 8 ديسمبر 2024، تنفيذ سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حساسة فى سوريا. وتحدث مسئولون إسرائيليون عن أكثر من 450 ضربة فى الأسبوع الأول فقط بعد الانهيار، استهدفت طائرات وسفناً حربية ومخازن صواريخ ومصانع أسلحة. لكن وتيرة هذه الغارات انخفضت بشكل ملحوظ فى مايو، عقب لقاء لافت جمع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالرئيس السورى أحمد الشرع فى الرياض يوم 14 من الشهر.

واعتبر مصدر استخباراتى إقليمى أن الاجتماع شكل نقطة تحول فى الاستراتيجية الأمريكية، إذ دعا ترامب تل أبيب إلى استكشاف «تفاهمات أمنية مع الحكومة السورية الجديدة»، واصفًا اللقاء بأنه «محوري» فى رسم مستقبل العلاقات الأمريكية-السورية. وأشار المصدر إلى أن هذه الخطوة أربكت الحسابات الإسرائيلية التى كانت تراهن على تفكك سوريا أو انزلاقها إلى صراع داخلى دائم يبعدها عن حدود إسرائيل.

وتركزت المحادثات الجارية، بحسب مصدرين، على القضايا الأمنية العاجلة، وخصوصًا التنسيق لمنع التوغلات الإسرائيلية داخل القرى الحدودية السورية، وضمان عدم وجود تهديدات مباشرة لإسرائيل من الفصائل المتمركزة جنوب البلاد. لكن المصدرين ألمحا إلى أن هذا التنسيق قد يتطور لاحقًا إلى تفاهمات سياسية أوسع. وقال أحدهم: «فى الوقت الراهن، فإن المحادثات تدور حول السلام كما فى غياب الحرب، وليس التطبيع».

وفى سياق محاولات بناء الثقة، قامت السلطات السورية الجديدة بإجراءات وصفتها جهات غربية بأنها ذات دلالة. فخلال الأسابيع الماضية، اعتقلت قوات الأمن السورى اثنين من قادة حركة الجهاد الإسلامى الفلسطينية، المتهمين بالمشاركة فى هجوم 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل. كما سمحت الحكومة السورية بإعادة بعض مقتنيات الجاسوس الإسرائيلى إيلى كوهين، الذى أُعدم فى دمشق عام 1965، فى خطوة رمزية إشارة إلى استعداد القيادة الجديدة لفتح صفحة جديدة.

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن اللقاء بين ترامب والشرع لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل تخلله إعلان غير مسبوق من البيت الأبيض عن بدء إجراءات رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، وفتح حوار سياسى مباشر معها. وقال ترامب حينها إن «السوريين عانوا ما يكفي»، مضيفًا أن الحكومة الجديدة «أبدت رغبة صادقة فى الشراكة مع الغرب ومحاربة الإرهاب».

ويشكك المسئولون فى تل أبيب حتى اللحظة فى النوايا الحقيقية لحكومة دمشق، رغم الانفتاح الظاهرى. وقالت كارميت فالنسى، الباحثة فى معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلي: «رغم نبرة الاعتدال التى يبديها الشرع، فإن تل أبيب ترى أن القفز إلى أى تسوية سيكون مخاطرة، خاصة أن من يحكم دمشق اليوم هم فصائل كانت تعتبر فى السابق متشددة».

وعكست تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر هذا الحذر، إذ قال فى مارس الماضي: «الحديث عن حكومة سورية معقولة أمر سخيف. هؤلاء جهاديون يرتدون بدلات رسمية». أما يعقوب أميدرور، مستشار الأمن القومى السابق، فحذر من مغبة التهاون فى حال قررت تركيا دعم النظام السورى الجديد عسكريًا، مشيرًا إلى أن «إسرائيل تراقب النفوذ التركى المتنامى فى سوريا، وتخشى من تحوّل أراضيها إلى جبهة إضافية».

الشرع بدوره لم يظهر حماسة فى الرد العلنى على دعوات ترامب للتطبيع، واكتفى بالتشديد على التزام سوريا باتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، والذى أنشأ منطقة عازلة فى الجولان تحت إشراف الأمم المتحدة. لكنه لم ينفى احتمال تطوير العلاقات فى المستقبل.

فى رسالة رسمية وجهتها وزارة الخارجية السورية إلى واشنطن الشهر الماضى، جاء أن «سوريا لن تكون مصدر تهديد لأى طرف، بما فى ذلك إسرائيل»، وهى لهجة مغايرة تمامًا للخطاب الذى تبنته دمشق لعقود. كما نظمت السلطات لقاءات رمزية مع أفراد من الجالية اليهودية فى دمشق وبعض الشخصيات القادمة من الخارج، فى محاولة لتقديم وجه جديد للعاصمة التى عانت من العزلة منذ أكثر من عقد.