رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


 


في قلب الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، برزت في الأشهر الأخيرة صورة قاتمة تلخّص واحدة من أبشع أدوات الحرب: التجويع كسلاح جماعي في قطاع غزة، ومع استمرار العدوان والحصار، بات أكثر من مليوني مدني يواجهون خطر المجاعة الحقيقي، في جريمة مكتملة الأركان تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم.

ليست القنابل وحدها ما يفتك بالحياة في غزة. فالإغلاق المُحكم للمعابر، ومنع دخول المواد الغذائية والمساعدات الطبية، واستهداف البنية التحتية الزراعية، تسبّبت جميعها في انهيار الأمن الغذائي. أصبح سكان القطاع، الذين كانوا يعانون أصلاً من الفقر ونقص الموارد، اليوم يبحثون عن لقمة تسد رَمَق أطفالهم في ظل نُدْرَة الخُبْز والحليب والماء.

وفقًا لاتفاقيات جنيف، يُعد استخدام التجويع ضد المدنيين جريمة حرب. ومع ذلك، فإن المجتمع الدولي يتعامل مع هذا الانتهاك الصارخ إما بالصمت أو بالإدانة اللفظية التي لا تغيّر من الواقع شيئًا. فالمساعدات التي كانت تصل بِشُحّ من قبل، وغالبًا ما كانت تُحتجز أو تُقصف، قد توقفت تمامًا منذ ٢ مارس على مدار ٧٨ يومًا من الحصار.

إذ استمر الاحتلال الإسرائيلي في منع إدخال المساعدات إلى أهالي القطاع مما ضاعف من معاناة المُحاصرين، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء الحوامل والمُرضعات. حتى تمكنت الضغوطات الأمريكية والدولية من الضغط على إسرائيل للسماح بإدخال الحد الأدنى من المساعدات إلى غزة مما يُعتبر غير كافٍ على الإطلاق. إذ أكدت الأمم المتحدة أن غزة بحاجة إلى ٥٠٠ شاحنة على الأقل من المساعدات يوميًا.
حيث دخلت إلى قطاع غزة يوم الثلاثاء ٢٠ مايو خمس شاحنات فقط من إحدى عشرة شاحنة عبر معبر كرم أبو سالم رغم موافقة إسرائيل على دخول ١٠٠ شاحنة. وبعد المزيد من الضغوطات الدولية، أعلنت إسرائيل يوم الأربعاء ٢١ مايو عن دخول ١٠٠ شاحنة من المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، إلَّا أن ناهض شحيبر، رئيس جمعية النقل الخاص في قطاع غزة، نفي وصول أي شاحنات سواء للنقاط العسكرية أو للمناطق الجديدة التي أقامها الجيش الإسرائيلي داخل القطاع أو حتى لأي منظمة دولية أو أممية. ما يعني أنه لم يتم توزيع أي كميات من المساعدات التي دخلت حتى الآن.

منذ بداية الحرب، انهارت المنظومة الغذائية والطبية في قطاع غزة انهيار شامل. حيث أظهرت التقارير أن ٩٠٪ من الأطفال لا يحصلون على الحد الأدنى من التنوع الغذائي، و١٥٪ من الأطفال من دون الخامسة يعانون من الهُزَال الحاد، كما ارتفعت معدلات فقر الدم بين الأطفال لتصل إلى ٧٧٪.

أداة ضغط سياسية

إن المجاعة في غزة ليست مجرد نتيجة عَرَضِيَّة للحرب، بل تُعد أداة ضغط سياسية تستهدف كسر إرادة الفلسطينيين ودفعهم إلى الركوع والاستسلام بهدف النزوح القسري. إنها سياسة "الرضوخ أو الموت"، حيث يُعاقب السكان جماعيًا من أجل تحقيق أهداف عسكرية وسياسية، وهو ما يُشكّل جريمة ضد الإنسانية وفقًا للمواثيق والأعراف الدولية.

الصمت الدولي، والتواطؤ الإعلامي، وازدواجية المعايير، كلها عوامل تساعد في استمرار هذه الجريمة البشعة. المطلوب ليس فقط فتح المعابر وإدخال المساعدات، بل محاسبة الجناة، وتوفير حماية دولية حقيقية للفلسطينيين. لا يمكن للعالم أن يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وهو يشاهد أطفال غزة يتضَّورون ويموتون جوعًا.

التجويع ليس سلاحًا عابرًا، بل جريمة كاملة المعالم. وما يحدث في فلسطين اليوم يتطلب موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا.
آن الأوان لكسر الصمت، لِأَنَّ مَن لا يجد قُوتَ يومه لن يقتات على كلمات التعاطف، بل يحتاج إلى أفعال حازمة تُوقِفُ آلة القتل البطيء.