قبل الامتحانات.. الدروس الخصوصية تستنزف جيوب الأهالى
الدروس الخصوصية كسرت ظهر أولياء الأمور
يعتبر شهر مايو من كل عام، حملاً ثقيلاً على كاهل الأسر المصرية، فهذا الشهر يعتبر بميزانية عامين من ناحية المصاريف الدراسية، بسبب الدروس الخصوصية، تلك الدروس التى باتت جزءاً أصيلاً من العملية التعليمية، ورغم جهود الوزارة فى محاربتها، واعتماد نظم دراسية مختلفة قائمة على الفهم وتخفيف الحشو من المناهج، ما زالت مشكلة الدروس الخصوصية قائمة، ويزداد اعتماد الأسر عليها عاما بعد عام، ما أدى إلى تحول مهنة التدريس إلى تجارة للكسب السريع، وضاعت معها مكانة المعلم المرموقة مثلما ضاعت أموال أولياء الأمور بحثا عن التفوق والمجاميع المرتفعة لأبنائهم.
ولا يتزايد حمل المصاريف على كاهل الأسر، بقرب الامتحانات فقط، بل إنه أيضًا بالتزامن مع اقتراب الموسم الدراسى الجديد، ظهر الكثير من الإعلانات عن بدء التسجيل فى مجموعات دراسية، تغزو مواقع التواصل الاجتماعى بصور وأرقام هواتف معلمين لا علاقة لهم بمجال التدريس، الأمر الذى فاق توقعات الجميع، مما أدى إلى قيام الوزارة بعمل مجهودات لمواجهتها وتضييق الخناق عليها إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل، وذلك لأن المعلمين يبحثون عن «أموال كثيرة» تعوّض تدنى رواتبهم المدرسية أو أملاً فى زيادة الدخل ورفع مستوى معيشتهم، والأهل يدفعون «أموالاً كثيرة» بحثاً عن الفرصة الأفضل للأبناء والبنات، والمراكز تتقاضى «أموالاً كثيرة» من هذا وذاك، وبرغم من ذلك إلا أن الدروس الخصوصية تعتبر «ناقوس خطر» يستحق وقفة، وبات الصراع بين «الوزارة» والدروس الخصوصية معقد ومتشابك، إلا أنهم توقفوا عند مرحلة التعايش المتأرجح بين السلمى وشبه السلمى.
وتعليقًا على هذا الأمر الذى يعتبر بمثابة قنبلة موقوتة داخل كل منزل بسبب ارتفاع أسعار الدروس فى تلك الفترة تحت مسمى تكثيف ما قبل الامتحانات، تحدث الدكتور تامر شوقى، قائًلا:»أن ظاهرة الدروس الخصوصية إحدى الظواهر الملازمة للتعليم المصرى منذ عقود بعيدة وعلى الرغم مما تقوم به وزارة التربية والتعليم من جهود مستمرة لتقليل تلك الظاهرة، الا أنها تتزايد من عام إلى آخر، بل أصبحت تغطى جميع المراحل التعليمية والصفوف الدراسية من مرحلة رياض الأطفال حتى المرحلة الثانوية، والمثير للدهشة أنها أصبحت لم تقتصر على فترة العام الدراسى فحسب بل من قبل أن يبدأ بشهرين على الأقل، وتستنفد الدروس الخصوصية فى الثانوية العامة معظم دخل الأسر المصرية، وبصفة خاصة خلال شهور ما قبل الامتحانات حيث يتم تكثيف عدد الحصص فى الأسبوع الواحد على الرغم من أن الطالب قد لا يكون فى حاجة لها حيث يتم تكرار شرح بعض الدروس السابقة أو حل أسئلة سبق للطالب حلها أو حتى شرح دروس يفهمها الطالب جيداً.
وتابع «شوقي» أن الغريب أن بعض المعلمين فى تلك الدروس الخصوصية يجبرون الطلاب على حضور كل الحصص حتى ولو لم يكن محتاجاً إليها وإلا سيتم حرمانه من دخول باقى حصص المراجعة، مرجحًا أن السبب وراء ظاهرة الدروس الخصوصية فى الثانوية العامة للعديد من الأسباب التى تشمل : القلق المفرط من الامتحانات لدى الطلاب وأولياء الأمور باعتبار أن الثانوية العامة هى السنة المصيرية التى تحدد مستقبل الطالب مما يجعلهم يلجأون للدروس الخصوصية، الغياب التام لدور المدرسة فى تعليم الطلاب وتغيبهم عنها طوال العام، قلة وجود معلمين أكفاء لشرح الدروس داخل المدرسة، صعوبة المناهج وتعقيدها مما يجعل الطالب يواجه صعوبات فى فهمها واستيعابها، صعوبة امتحانات الثانوية العامة وقياسها لمستويات عقلية عليا، نظر الأسر والطلاب إلى الدروس الخصوصية باعتبارها طوق النجاة لهم للنجاح فى الثانوية العامة، توافر مراكز الدروس الخصوصية وانتشارها فى كل مكان، فضلاً عما يقوم به المعلمون من دعاية جذابة لهم على وسائل التواصل الاجتماعى، رغبة الطالب فى مسايرة زملائه فى أخذ الدروس حتى ولو لم يكن فى حاجة إليها.
أما عن أهم الحلول لتلك المشكلة فتتمثل فى إعادة الطلاب إلى المدرسة مرة أخرى وحرمان الطالب المتغيب من دخول الامتحانات، وتوفير عدد كاف من المعلمين فى المواد المختلفة داخل المدارس، وتطوير المناهج بحيث تكون أكثر حداثة وجاذبية للطالب وأكثر تكاملاً اتصالاً بالواقع، العمل على زيادة دخل المعلم بما يجعله يستغنى عن الدروس الخصوصية، تجريم إعطاء الدروس الخصوصية وسن القوانين اللازمة لذلك حتى لو وصل الأمر إلى فصل المعلم، إغلاق كافة مراكز الدروس الخصوصية، تغيير نظام الثانوية العامة بما لا يجعل تلك السنة فقط هى التى تحدد مستقبل الطالب، أما عن حلول إعادة الهيكلة التى قدمتها الوزارة وقللت عدد المقررات من ٧ إلى ٥ مقررات فهى بلا شك قد أدت إلى تناقص عدد المواد التى يمكن أن يأخذ فيها دروساً، ولكنها قد لا تؤدى إلى نقص الظاهرة بوجه عام لأن الطالب الواحد قد يأخذ فى كل مقرر من الخمسة مقررات عدة دروس عند معلمين مختلفين ومن ثم يتحمل نفس تكاليف السبعة مقررات بل وأكثر.
ومن جانبها، أوضحت داليا الحزاوى، إلى أن السبب وراء اعتماد الأهل على الدروس الخصوصية هو أن الكثير من الطلاب يفتقرون إلى فلسفة التعلم الذاتى القائم على البحث والتحليل فى جمع المعلومات بدلاً من تلقيها بشكل آلى على يد معلم يتبع طريقة الحفظ والتلقين، وهو ما يسمح لظاهرة الدروس الخصوصية بالاستمرار فى مجتمعنا، لذا يجب معالجة العقل الجمعى للطلاب وأولياء أمورهم؛ فبدلا من الاعتماد التام على المعلم فى توصيل المعلومة، ينبغى السماح للطالب بالتفكير ومساعدة نفسه فى فهم المواد الدراسية، ولا يعنى ذلك تهميش دور المعلم فى تلك العملية البناءة، فعلى مر العصور لم يستطع مجتمع أن يتقدم دون معلم، ولكن ينبغى تشديد الرقابة على المدارس ومتابعة العملية التعليمية بها لضمان حصول الطلاب على الشرح الوافى واللازم لاستيعاب المناهج دون الحاجة إلى الدروس الخصوصية،
ولفتت «الحزاوى» إلى أنه اختفى دور المدرسة بشكل كبير وأصبحت الدروس الخصوصية هى الطريقة لحصول الطالب على الخدمة التعليمية، لذا يجب تغيير ثقافة المجتمع بشأن الدروس الخصوصية سواء ولى الأمر والطالب، وعودة دور المدرسة والمدرس أثناء اليوم الدراسى، وزيادة أجور ومرتبات المعلمين لضمان حياة كريمة لهم، وتجريم نشاط الدروس الخصوصية ووضع عقوبات رادعة، وتغيير نظام الامتحانات لتعتمد على مهارات الأداء والمشروعات، وتبتعد عن أسلوب الحفظ والتلقين، وتطوير مهارات المعلمين وتغيير أسلوب الشرح، وتطوير أيضا المناهج الدراسية لتعتمد على المهارات لتحقيق متعة التعلم، وتغيير نظم القبول بالجامعات بعد أن أصبح هدف الطالب هو الحصول على الدرجات فقط دون تحقيق التعلم المستمر، وربط التعلم بالتكنولوجيا الحديثة والتى أصبحت هدف الطلاب، وتغيير طرق وأساليب التقويم خلال العام الدراسى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض