رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

«درس خصوصى لطالب الجامعة» لو سمعنا هذه الجملة منذ بضعة أعوام قليلة مضت لقلنا إن طالب الجامعة أصيب بالجنون ولم يعد يحضر محاضرات ولا يستوعب ما يشرحه الأستاذ، ولن ينفع فى تعليم عالٍ، ولكن الواقع المؤسف سيعنى غير ذلك، سيعنى أن أستاذ الجامعة توقف عن شرح مادته نظريًا، وأن الطلاب توقفوا عن كتابة وتدوين ما يشرحه الأستاذ من نقاط هامة فى كشكول المحاضرات كما كنا نفعل زمان كطلاب جامعة لأنهم لا يجدون فيما يشرحه أى شيء لتدوينه، يعنى أن الأستاذ توقف عن عمل مذكرات أو كتب فى مادته، أو أن هذه المذكرات والكتب لا جدوى منها وأن الامتحانات تأتى من خارجها بشكل أو بآخر، يعنى أن الأستاذ توقف عن توجيه الطلاب للبحث العلمى بالمكتبات لعمل الأبحاث للحصول على درجات أعمال السنة إن وجد هذا النظام، ويعنى أن نظام «السيكشن» المعمول به فى الجامعات غير مُجدٍ، وهو نظام مكمل للمحاضرات الموسعة ولكن بصورة أكثر تركيزًا لأن عدد الطلاب يكون أقل فى السيكشن بعد تقسيمهم لمجموعات، وسيعنى إجمالًا أن العملية التعليمية بالجامعة صارت عملية «فوضوية» ليس لها أسس ولا نظام ولا منهج يعتمد عليه، وأن ضمير أستاذ الجامعة مات «إلا من رحم ربى»، وترك طلابه يحاربون طواحين الهواء طلبًا للنجاح، أو دفعهم للارتماء فى أحضان الدروس الخصوصية.
الغريب فى الأمر أن الأستاذ الجامعى للمادة نفسها ليس هو غالبًا الذى يعطى الدرس الخصوصى للطلاب إلا ما ندر، بل المساعد أو المعيد، وتبدأ الحصة الخاصة بخمسمائة جنيه إلى ما فوق حسب نوع المادة والجامعة والتخصص، وتصاب ثمن الحصة بحالة من السعار إذا كانت الجامعة خاصة، أى لن ينجو الآباء الذين دفعوا بأولادهم أصحاب المجموع الخائب فى الثانوية العامة إلى الالتحاق بجامعة خاصة عسى أن يصنعوا لهم مستقبلًا مقبولًا، لن ينجو الآباء من دفع المزيد من آلاف الجنيهات فى تلك الكورسات الخارجية، ولن أبالغ قولًا إذا أقسمت بالله أن إحدى الأسر باعت شقتها «التمليك» من أجل إلحاق ابنتهم بجامعة خاصة، وأن أغلب ثمن الشقة ضاع على مصاريف الجامعة وعلى الدروس الخصوصية لبعض المواد، خشية أن تتعثر البنت وترسب فى بعض المواد أو تدفع الأسرة تكلفة «سمر كورس» لإعادة المواد الراسبة فيها فى فصل الصيف، ولتعيش الأسرة بذلك طيلة العام بما فيها إجازة الصيف فى قلق وتوتر ونكد، لأن البنت لديها مواد عليها أن تذاكرها وتمتحنها فى الصيف.
فأى حياة هذه تلك التى كتبتها وزارة التربية والتعليم على الآباء والأمهات أن يعيشوها مع أبنائهم حتى نهاية الثانوية العامة، وأى حياة تعيشها الأسر أيضًا فى مراحل التعليم الجامعى من أجل أولادهم بسبب عدم الرقابة من وزارة التعليم العالى، وغياب التفتيش على العملية التعليمية، وبسبب موت ضمائر العديد من أساتذة الجامعة، وقد كانت الأسر تعتقد أن عام الثانوية العامة هو الأصعب والأكثر كلفة لهم، فإذا بسنوات الجامعة تلحق بهذا العام «العسر» لتزداد حياة الأسر صعوبة وهمًّا ونكدًا.
لا أتحدث هنا عن طبقة الأثرياء بالوراثة، ولا طبقة الأثرياء باللصوصية ونهب أقوات الشعب، ولا عن طبقة الأثرياء بالفهلوة الذين يلعبون بالبيضة والحجر ويحصلون على الثروات من كل الطرق، سواء منها الرشوة أو استغلال النفوذ، بل أتحدث عن الأسر التى تشكل غالبية الشعب من الطبقة المتوسطة التى «اتفرمت» مؤخرًا حرفيًا، فلم يعد لديها أى قدرة للتشبث بمستواها الحياتى والاجتماعى الذى كانت عليه قبل عقد مثلًا من الزمان، ولن أذكر هنا بالطبع طبقة ما تحت المتوسط، لأنها طبقة لم يعد لديها أى اهتمام تقريبًا لا بتعليم أولادها ولا ترسيم مستقبلهم بصورة آدمية، فأغلب أسر هذه الطبقات الفقيرة أطلقت أولادها فى الشوارع للتسول المباشر وغير المباشر، ولبيع أى شيء وكل شيء من أجل لقمة العيش المر، وما أكثر هؤلاء الذين ضجت بهم شوارعنا، وأصبحوا بلطجية تحت التمرين، تحت رعاية بلطجية كبار سبقوهم إلى الشوارع، بعد أن ضاع منهم حلم التعليم والحياة الآدمية المحترمة. أسر الطبقة هى ما أرصده هنا فى مأساة التعليم الممول والمتوشح زورًا بالمجانية، أما الطبقة الثرية رغم قلة نسبتها فلديها القدرة فى التعامل مع هذا التغول فى نفقات التعليم وانعدام الأسس التى يمكن أن يتم عليها بناء تعليم سليم ينهض بالبلد، تعليم يعتمد على الضمير الواعى لا الضمير الميت أو الضمير الخائف والمهتز.
أما الطبقة الفقيرة فعذرًا لها، لها الله، يكفيها تلك الحروب غير الشريفة التى تخوضها يوميًا من أجل لقمة العيش، فلا مجال هنا للحديث عن تعليم أبنائها، رغم أنى أرى نسبة أيضًا من تلك الطبقة تفعل المستحيل لتعليم أبنائها، ولو حتى تعليمًا متوسطًا على أمل أن يكون حظهم فى الحياة أفضل نسبيًا من حظ آبائهم، ويشربون المر حرفيًا من أجل تحقيق ذلك، وهؤلاء ندرة... وللحديث بقية.

[email protected]