المتابعُ لتصريحاتِ الدكتورِ مصطفى مدبولي رئيسِ الوزراءِ والسادةِ المجموعةِ الاقتصاديةِ، يجدُ دائماً تأكيداتٍ حاضرةً على المضيِّ قدماً في برنامجِ الإصلاحِ الاقتصاديِّ الذي يسيرُ بطبيعةِ الحالِ في المسارِ الصحيحِ، وأنَّ استمرارَ الثقةِ في استقرارِ الاقتصادِ أهمُّ الأولوياتِ، وبالتبعيةِ طمأنةُ المواطنِ بأنَّ الاقتصادَ يمضي بصورةٍ جيدةٍ للغايةِ على المسارِ المأمولِ، حيث أوضحت مؤشراتُ الربعِ الأخيرِ من العامِ الماليِّ الحاليِّ، أنَّ معدلَ النموِّ بلغ 4.3%، وأنَّ معدلَ البطالةِ وصل إلى 6.4%، وهو من أقلِّ نسبِ البطالةِ التي سُجِّلت في مصرَ منذ نحوِ 20 عاماً.
رغمَ تلك الأرقامِ والمؤشراتِ والمعدلاتِ الجيدةِ التي يتمُّ رصدُها وفقاً للمعاييرِ الدوليةِ، وتتمُّ مراجعتُها من مختلفِ المؤسساتِ الدوليةِ، كما أشار الدكتور مدبولي، نجدُ أنفسَنا أمامَ تناقضٍ واضحٍ بين هذا المسارِ الإصلاحيِّ، وبين ما يشعرُ به المواطنُ الذي لا تعنيه معاني تلك الأرقامِ، ومفاهيمُ السياساتِ النقديةِ ومصطلحاتُ الاقتصادِ الكليِّ وغيرها، لنصبحَ أمامَ اتجاهينِ مختلفينِ من المسارِ الاقتصاديِّ:
الأولُ: ما تتبناه الحكومةُ وما يتمُّ الإعلانُ عنه من مؤشراتٍ، تثبتُ أنَّ مسارَها الإصلاحيَّ صحيحٌ، لكن «ربنا يسترُ» من الأوضاعِ الإقليميةِ والتحدياتِ الدوليةِ التي تتغيرُ بين لحظةٍ وأخرى وتفرضُ نفسَها على المشهدِ، أو كما قال عنها الدكتور مدبولي: «محدش عارف بكرة هيحصل إيه.. ولا أحدَ يتصورُ عبءَ التحدي، فلا أحدَ يستطيعُ وضعَ رؤيةٍ لشهرٍ قدام».
هذا المسارُ الإصلاحيُّ الذي يسيرُ بصورةٍ جيدةٍ من وجهةِ النظرِ الحكوميةِ يمكنُ تلخيصُ أبرزِ سماتِه بناءً على تصريحاتِ المسؤولين في النقاطِ التاليةِ:
الأولى: السياسةُ النقديةُ المصريةُ هي سياسةُ سعرِ صرفٍ مرنٍ لضمانِ استقرارِ الأوضاعِ الاقتصاديةِ.
الثانيةُ: دعمُ قطاعِ الصناعةِ ومضاعفةُ الصادراتِ في أسرعِ وقتٍ ممكنٍ وبوسائلَ وإجراءاتٍ ناجزةٍ، وقد تمَّ التوافقُ على عددٍ من الخطواتِ التنفيذيةِ خلالَ اجتماعِ السيدِ رئيسِ الوزراءِ مع أعضاءِ اللجنةِ الاستشاريةِ لتنميةِ الصادراتِ، التي من شأنِها إحداثُ زيادةٍ في صادراتِ الصناعاتِ النسيجيةِ والملابسِ الجاهزةِ، والحاصلاتِ الزراعيةِ، والصناعاتِ الطبيةِ «صناعةُ الدواءِ»، التي تبلغُ حالياً 14 مليارَ دولارٍ سنوياً، خلالَ خمسِ سنواتٍ، لتقفزَ إلى 34 ملياراً، وقد أكد أعضاءُ اللجنةِ الاستشاريةِ قدرةَ هذه القطاعاتِ الثلاثةِ على تحقيقِ تلك المستهدفاتِ.. والسؤالُ هنا: هل سيتمُّ مضاعفةُ التصديرِ في تلك القطاعاتِ بعدَ إشباعِ السوقِ المحليِّ وتصديرِ الفائضِ منها أم لا؟!
ثالثاً: عملياتُ الطرحِ، ومنها طرحُ إدارةِ وتشغيلِ المطاراتِ المصريةِ من جانبِ أفضلِ الشركاتِ المتخصصةِ في هذا المجالِ على مستوى العالمِ، مع تأكيداتِ سيادتِه، أنَّ تلك الاتفاقياتِ تعني بإدارةٍ وتشغيلٍ وليسَ ببيعِ أصولِنا، ومنها أيضاً تأكيداتُ سيادتِه رداً على ما يثارُ من شائعاتٍ بشأنِ بيعِ المستشفياتِ الحكوميةِ، خاصةً مستشفى «هرمل»، قائلاً: "لدينا تحدٍ مع مرورِ الوقتِ، حيث يحدثُ تدهورٌ في بعضِ المؤسساتِ وليسَ فقط المنشأةَ، ونحنُ في احتياجٍ لاستقدامِ خبراتٍ عالميةٍ على أعلى مستوىً تقدمُ الخدمةَ داخلَ مصرَ، مشدداً على أنَّ منظومةَ الإدارةِ الجديدةِ تعملُ بشكلٍ محترفٍ.. والسؤالُ هنا: هل تعجزُ الحكومةُ عن إدارةِ تلك المشروعاتِ؟ ولماذا نبحثُ عن الخبراتِ خارجَ حدودِ الوطنِ؟!"
وفي ذاتِ السياقِ، توجيهاتُ الدكتور مدبولي أثناءَ زيارةِ محطةِ الثروةِ الحيوانيةِ بقريةِ الحمامِ بمركزِ أبنوب، بطرحِ هذا المشروعِ وغيرِه من المحطاتِ للقطاعِ الخاصِّ لإدارتِها وتشغيلِها بكفاءةٍ.
أضفْ لما سبقَ، أنَّ الحكومةَ ستكونُ مستعدةً لطرحِ مباني منطقةِ وسطِ البلدِ «مربعِ الوزاراتِ»، يونيو المقبلَ، لإعادةِ استغلالِ هذه المنطقةِ، وقال الدكتور مدبولي: «الناسُ بتقولُ انتوا ناويين تغيروا شكلَ المباني؟ لأ، بنحافظُ عليها، ونستفيدُ منها في عمليةِ زيادةِ الغرفِ السياحيةِ والمنشآتِ السياحيةِ».
المسارُ الثاني: مسارُ اقتصادِ المواطنِ أو ما يمكنُ تسميتُه بـ «اقتصادِ القهرِ»، حالةٌ من النزوحِ إلى خطِّ الفقرِ بوتيرةٍ تنذرُ بالخطرِ، حالةٌ من العجزِ المستمرِّ في تلبيةِ الاحتياجاتِ اليوميةِ، حالةٌ من فقدانِ القدرةِ الشرائيةِ لمواردِه المحدودةِ، وتوحشٍ وارتفاعٍ جنونيٍّ في الأسعارِ بشكلٍ لا يمكنُ تصديقُه أو التعايشُ معه، حالةٌ من الخصومةِ المستمرةِ والمتزايدةِ بين ما يحتاجُ إليه وما يستطيعُ تلبيتَه، وما يتبعُ ذلك كلُّه من تأثيراتٍ اجتماعيةٍ ونفسيةٍ.
في النهايةِ: كيف يمكنُ الاستجابةُ إلى رسائلِ طمأنةِ السيدِ رئيسِ الوزراءِ إلى المواطنين، بأنَّ الحكومةَ تعملُ بكلِّ طاقتِها من أجلِ تحقيقِ الاستقرارِ الاقتصاديِّ، ومواجهةِ التحدياتِ بشكلٍ مدروسٍ يراعي مصالحَ المواطنينَ واحتياجاتِهم المعيشيةَ، وهناك تضاربٌ واضحٌ وملحوظٌ بين مؤشراتِ المسارِ الأولِ وحالِ المسارِ الثاني، تضاربٌ يُرى بالعينِ المجردةِ لمن يعانونَ من ضعفِ البصرِ.
أخيراً: نحتاجُ إلى مسارٍ يشعرُ فيه المواطنُ بثمرةِ الإصلاحِ الذي تتبناه الحكومةُ، وليسَ فقط قراءةَ إشاداتِ صندوقِ النقدِ الدوليِّ وتوابعِه وأتباعِه، بأننا نسيرُ على الطريقِ الصحيحِ للإصلاحِ الاقتصاديِّ.
حفظَ اللهُ مصرَ من كلِّ سوءٍ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض