مقارنةً بسنوات الطفولة واليفاعة، أرى هذا التغيّر الكبير فى الجدول اليومى لعائلاتنا المصرية: لم يعد الجلوس لتناول الإفطار أو الغداء أو العشاء أمرًا يسيرًا كما فى السابق. ففى ساعات الصباح، تنطلق العائلات على عجلٍ إلى العمل والمدرسة، وأما وجبة الغداء، ففى الغالب تُحمل من المنزل أو تُشترى من الخارج.
فى عالمٍ طغت عليه ضوضاء المقاييس، وغابت عنه بوصلة الروح، يقف فعل بسيط — كأن تجلس إلى طعام مع من تحب — كمعيارٍ لسعادة لا تُقاس بالدخل، ولا تُختزل فى عقود العمل.
مائدة واحدة، وصحون ساخنة، ونظرات دافئة، وكلمات تنساب بلا تكلّف، قد تكون — وفق ما كشفه تقرير السعادة العالمى — أقوى دلالة على السعادة من راتبٍ شهرى، وأصدق شاهدٍ من تراتب اجتماعى. ففى كل ثقافة، وعلى امتداد الأعراق والأديان، ظهر أن من يشاركون طعامهم، يشاركون فى الواقع ما هو أعمق: الطمأنينة، والرضا، والشعور بالانتماء.
لكن الصورة لا تخلو من كدر. تشير إحصاءات أمريكية إلى أن العزلة زحفت حتى على لحظات الطعام. ربع الأمريكيين، فى يوم واحد، تناولوا كل وجباتهم بمفردهم. الشاشات أكلت الوقت، والجداول المزدحمة التهمت الحضور الإنسانى، بينما تناقصت الأحاديث التى كانت تُولد بين لقمتين.
السؤال الذى ينبغى أن نطرحه لا يتوقف عند حدود: من يجلس معنا إلى المائدة؟، بل يتعدّاه إلى ما هو أبعد، إلى تلك المساحة التى لا تُرى ولكن تُحَسّ، إلى: ما الذى يحدث لقلوبنا حين نتناول طعامنا وحدنا؟
هل تنكمش الأرواح كما تنكمش فى صمتٍ بلونةٌ تسرب منها الهواء؟ هل تضيق النفس على ذاتها حين تغيب عنها حرارة النظرات، وصوت الملاعق المتواتر، وابتسامة تُمرّر مع كل كسرة خبز؟ أم أننا، فى لحظات الوحدة تلك، نفقد شيئًا لا يمكن أن نستعيده بالكلمات؟
ربما لا نعرف بالضبط ما الذى ينكسر داخلنا حين نأكل بمفردنا... ثمّ شيء يتشقق من جدران القلب لا يمكن أن يُرمم بسهولة.
باحثون فى مدرسة كينيدى بجامعة هارفارد، يرون أن عدد الوجبات المشتركة قد يفوق فى دلالته على السعادة كثيرًا من المؤشرات الاقتصادية المعروفة. ويؤكدون، كما جاء فى البحث المنشور فى مجلة هارفارد جازيت، 10-4-2025، بأن مشاركة الطعام قد لا تكون سببًا مباشرًا للسعادة، لكنها بالتأكيد رفيقتها. فالسعادة، كما يلمّح البحث، ليست رقمًا على مقياس. إنها صوت الضحك حول طاولة، دفء يدٍ تُناوِل الخبز، صمتٌ مريح لا يقطعه سوى صوت الملاعق على الصحون.
ولعلنا نسينا أن السعادة أحيانًا تنبع من أقلّ الأشياء: أن تنتظر الغداء لأن شخصًا تحبه سيكون هناك، أن يطهو أحدهم من أجلك، أن تجلس وتنظر فى عيون الآخرين لا فى شاشة هاتفك المحمول.
ما أكثر ما نبحث عن معنى لإنسانيتنا، بينما قد يكون المعنى نفسه ينتظرنا على المائدة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض