رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

عندما غصت بقلمى فى آلام المواطن مع رحلات الأمراض التى يختبرنا بها الله، رصدت كيف تتضاعف هذه الآلام وأوجاعها وتزداد ثقلا بسبب نوعيات من الأطباء غابت ضمائرهم، واعتبروا المريض «ذبيحة» وقعت بين يدى جزار متمرس لا يرحم ولا يترك منها لا لحما ولا عظاما ولا حتى جلدا، ورصدت تلك المستشفيات العامة والخاصة التى تحولت إلى مسالخ لصحة وجيوب الناس، وأصبح المواطن مجرد مشروع استثمارى لكل هؤلاء، وقد كدت أنتقل بقلمى إلى ملف آخر غابت فيه الضمائر وهو ملف التعليم، إلا أن الإعلامى المحترم «إيهاب اللاوندى» ذكرنى بما سقط سهوا من قلمى، وهو قطاع التأمين الصحى، وأشكره على هذه التذكرة. تبدأ رحلة عذاب المواطن مع التأمين الصحى من مكاتب استخراج بطاقة التأمين، وهى أماكن تذكرك بمشاهد مخازن الأرشيف القديم وموظفى الأرشيف فى أفلام الستينيات من دوسيهات وتلال الاوراق والمكاتب البالية، بجانب أسلوب التعامل الذى لا يتخلى أبدا عن إذلال المواطن وتعقيد الأمور حتى يفوز أخيرا ببطاقته، بعدها تبدأ رحلته مع مستشفى التأمين، هنا على المريض أن يصحو من الفجر ويهرول للمستشفى عسى أن يلحق دورا متقدما فى طابور المرضى الطويل الذى يمتد من أمام شباك الحجز حتى سلم الدخول للمبنى، بالطبع هناك من يحضرون من محافظات أخرى للقاهرة مثل الفيوم وبنى سويف الجيزة، وهؤلاء يأتون منذ الليل ويبيتون على الرصيف أمام المستشفى فى برد الشتاء أو فى حر الصيف الخانق أو داخل سيارات استأجروها لهذا الغرض للفوز بفرصة المثول أمام الطبيب، تحدد مستشفيات التأمين كوتة يومية لعدد المرضى الذين سيتم قبول الكشف عليهم، وما يزيد على هذا العدد عليه يتم صرفه ويعود لبيته بمرضه ليعاود الكرَّة فى الأسبوع التالى، وقد لا يسعفه الحظ كذلك فى المرة التالية، أو قد يكون الطبيب معتذرا أصلا ليكتشف المريض أن ساعات انتظاره الطويلة فى الطابور ذهبت أدراج الرياح. 
الغريب فى الأمر أن أعداد الأطباء الذين تكتظ بهم مصر يمثلون سبقا فريدا مقارنة بأعداد الأطباء فى أى بلد فى العالم، إلا أن أعداد الأطباء فى مستشفيات التأمين الصحى محدودة جدا توفيرا لموزانة التأمين وهو ما يسبب ارتباكا وتكدسا بين صفوف المرضى وتفاقم الحالات المرضية، ما يجعلنا نفجر التساؤلات حين نعرف أن موازنة هيئة التأمين الصحى لعامى ٢٠٢٣: ٢٠٢٤ بلغت ٤٥ مليار جنيه، وأن النفقات قدرت بـ ٣٤ مليار جنيه وأن هناك فائضا فى الأرباح بلغ مليار جنيه، أى أن القطاع لا يخسر، فلماذا يتم إهدار الحق الصحى للمواطن فى الرعاية والاهتمام وسرعة العلاج.
واذا كان المريض من المحظوظين وتم قبوله ضمن العدد المحدد لكل طبيب، فعليه أيضا أن يجلس فى صالة الانتظار البشعة المنظر والتجهيز على مقاعد رديئة ومحدودة العدد وقتا طويلا يبدأ من ساعتين إلى ما فوق، لأن الطبيب لا يصل أبدا للمستشفى فى موعده المحدد، ما يضطر باقى المرضى للجلوس على الأرض فى مشهد مؤلم ومزرٍ، وبعضهم من ذوى الحالات الخاصة، وآخرون مرضى أمراض قاسية، ومنهم المصابون بكسور، وانتظارهم أوقاتا طويلة فى وضعية غير مريحة يضاعف من أوجاعهم. 
أما إذا كان المريض يتمتع بإمكانية التعامل الإلكترونى، فيمكنه حجز الطبيب عبر الإنترنت من خلال رابط موقع التأمين الصحى، وهو أمر متاح لكافة المواطنين المسجلين على شبكة التأمين الصحى، حيث يقوم الشخص بالدخول على الموقع الإلكترونى الخاص بالهيئة العامة للتأمين الصحى، ويختار عيادة من العيادات الموجودة على الموقع، ثم يدخل على الصفحة الرئيسية ويكتب البيانات الخاصة به والرقم القومى، وعندما يظهر له الرقم التأمينى الخاص به، يختار الطبيب والتاريخ والموعد الذى يرغب الكشف فيه، وعندما ينتهى من كل ذلك تصله رسالة عبر هاتفه المحمول لتؤكد له الموعد. 
كل هذا جيد لو تم بالشكل الذى سردته بسهولة ويسر، لكن الموقع كثيرا ما يكون به مشاكل تقنية تعطل استخدامه، أو قد لا يجد المريض الموعد ولا التاريخ المناسب للكشف، أو قد يحدث أى خطأ، المهم انه يحدث تعقيد ما فى عملية الحجز الإلكترونية، لذا يفضل أغلب المرضى التواجد الذاتى فى المستشفى لمواجهة الصعوبات بشكل مباشر أفضل لهم من صعوبات الأون لاين العقيمة. يحدد أطباء التأمين الصحى الأدوية العلاجية الرخيصة المتوافرة لدى الصيدليات المتعاملة مع هيئة التأمين الصحى، وكثيرا ما لا تتوافر هذه الأدوية تحت مظلة التأمين ما يضطر المواطن لشرائها على حسابه أو شراء بدائل لها، أو قد تكون هذه الأدوية التى تقرر صرفها للمريض من الأنواع الرديئة ذات فاعلية علاجية ضعيفة، أو قد تكون أدوية غير مناسبة تماما لنوع المرض الذى يعانى منه المريض، فالأطباء لديهم تقريبا قوائم محددة بالأدوية الرخيصة التى عليهم كتابتها فى الروشته للمريض لأنها أدوية مجانية تخضع لمظلة التأمين المشترك به المواطن، ولا يهمهم فى ذلك التأثير السيئ والسلبى للدواء على صحة المريض، أو تضارب دواء مع آخر وخطورته عليه، وهو الأمر الذى قد يؤدى إلى مضاعفات وأثار جانبية لا تقل خطورة عن المرض نفسه. وويل للمريض إذا ما احتاج لإجراء جراحة إذ عليه أن يدخل قائمة انتظار بشعة تبدأ من ٣ شهور إلى ما فوق، وهى فترة كافية لأن تتدهور حالة المريض وتسير إلى مصير أسوأ، ولا قدر الله قد تتوفى الحالة، وهو ما يلجئ الكثير من المرضى للبحث أيضا عن وساطة للتعجيل بموعد الجراحة، وبالطبع الوساطة تجعل المستحيل ممكنا، والجراح الذى كان مشغولا قد أصبح متاحا، وهكذا. فأين الضمير الطبى فى كل هذا، أين الإنسانية، وأين المواطن من الدستور فى مادته رقم ١٨ والتى تنص على أن لكل مواطن الحق فى الصحة والرعاية الصحية المتكاملة وفقا لمعايير الجودة؟، وأين الاطباء الذين يتخرجون سنويا بالآلاف؟ ولماذا لا تتم الاستعانة بأكبر عدد ممكن من الأطباء فى قطاع التأمين الصحى لإنهاء مأساة ودراما بشعة يعانى منها المرضى، والصراحة لا يوجد اى وجه للمقارنة بين مستشفيات التأمين الصحى فى مصر ونظيرتها فى أى بلد فى العالم، فهى مقارنة التراب بالذهب، وللحديث بقية...
[email protected]