روضات الجنات
حفظ الجوارح
والأصل فى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه).
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: (الصيام جُنَّه، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنى صائم...).
قال النووى: فيه نهى الصائم عن الرفث وهو السخف وفاحش الكلام.. واعلم أن نهى الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصًا به، بل كل أحد مثله فى أصل النهى عن ذلك، لكن الصائم آكد.
وعن عمر رضى الله عنه قال: ليس الصيام من الطعام والشراب، ولكن من الكذب والباطل واللغو والحلف.
وقال جابر رضى الله عنهما: إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب، والمآثم، ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم صيامك وفطرك سواء.
وعن أبى ذر رضى الله عنه قال: إذا صمت فتحفظ ما استطعت.
وقال عبيدة السلمانى: اتقوا المفطِّرَين: الغيبة، والكذب.
قال الغزالى مبينًا أدب الصوم: فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور:
الأول: غض البصر، وكفه عن الاتساع فى النظر إلى كل ما يذم ويكره، وإلى كل ما يشغل القلب ويلهى عن ذكر الله عز وجل.
الثانى: حفظ اللسان عن الهذيان، والكذب، والغيبة، والنميمة، والفحش، والجفاء، والخصومة، والمراء وإلزامه السكوت، وشغله بذكر الله سبحانه، وتلاوة القرآن، فهذا صوم اللسان.
الثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه، لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه.
الرابع: كف بقية الجوارح عن الآثام: من اليد، والرجل، وعن المكاره، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار، فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام، فمثال هذا الصائم مثال من يبنى قصرًا ويهدم مصرًا.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش)، فقيل: هو الذى يفطر على الحرام، وقيل: هو الذى يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام، وقيل: هو الذى لا يحفظ جوارحه عن الآثام.
الخامس: ألا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه، وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره؟! وربما يزيد عليه فى ألوان الطعام، حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل فى عدة أشهر. ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى، لتقوى النفس على التقوى.
سادسًا: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقًا مضطربًا بين الخوف والرجاء، إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهو من المقربين، أو يرد عليه فهو من الممقوتين؟ وليكن كذلك فى آخر كل عبادة يفرغ منها.
ولخطورة اللسان فى إفساد الصوم وجرمه رغم صغر جرمه فقد رأيت أن نقف مع هذه الجارحة.
إن شأن اللسان ليس كشأن سائر الجوارح، فالجوارح تتفاوت فى الأهمية، وقالوا عن اللسان: إنه عضلة خلفها كل معضلة، ويقول أبو بكر رضى الله عنه وهو يُمسك بلسان نفسه: (هذا الذى أوردنى الموارد)، وقد ورد فى الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إن ابن آدم إذا أصبح فإن أعضاءه كلها تكفر اللسان، تقول: اتَّقِ الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعْوجَجْتَ اعْوَجَجْنا)؛ حسنه الألبانى، فنظرًا لتلك الأهمية لهذه الجارحة عمومًا، وفى شهر الصيام خصوصًا، فسيكون الحديث عنها من خلال وقفات وهى على النحو التالى:
الوقفة الأولى: هذه الجارحة ذات الوزن الخفيف تحمل فى عملها أرباحًا عظيمة وخسائر فادحة، فبكلمة يدخل الإنسان الإسلام، وبكلمة يخرج منه، وبكلمة يتزوج، وبكلمة يُطلق، وهكذا، فهى حرية بالانتباه لها وصيانتها وأطرها على الحق، وتهذيبها عن الشوائب الفاسدة، فكم من نادم قال كلمة لم يتأملها فعلت الأفاعيل، إن آفة واحدة من آفات اللسان قد تذهب بروح الصيام وتزهقها، وهى قول الزور؛ قال عليه الصلاة والسلام: (مَن لم يدَع قولَ الزور والعملَ به والجهل، فليس لله حاجة فى أن يدَع طعامه وشرابه)؛ أخرجه مسلم.
فالصيام جُنة، وتصديع جدار الصيام بآفات اللسان مثلبٌ عظيم، وهو مؤثر سلبًا على هذه الجنة للصيام، فليتَّقِ الله تعالى أولئك الذين يطلقون ألسنتهم هنا وهناك بلا رقيب.
الوقفة الثانية: إن اللسان له عبودية يجب أن تأخذ مفعولها فى كل وقت، لا سيما فى شهر الصيام، فهو فرصتك أخى الصائم أن تعوِّد لسانك على عبوديته؛ ليستقيم عليها ويتهذب من خلالها، فعبوديته متنوعة بين الواجب والمستحب، وترك الحرام والمكروه، فمن واجب هذه العبودية الشهادتان والتلاوة اللازمة للقرآن فى الصلاة، وأذكار الصلاة من تسبيح وتسميع وتحميد وتكبير، وكذلك أمرٌ بمعروف ونهى عن منكر وصدق الحديث، ونحو ذلك، ومنه المستحب؛ كعموم الأذكار وقراءة القرآن، ومذاكرة العلم وتوابعه، ونحو ذلك، ومن عمله أيضًا ترك المحرمات؛ كالغيبة والنميمة والكذب ونحوها، إن تدريب اللسان على الإيجابية وإبعاده عن السلبية هو مطلب الشرع، فاعمل على تحصيل ذلك.
الوقفة الثالثة: الصائم مأمور بترك السباب والجهل ونحوهما، وقد أرشد النبى صلى الله عليه وسلم إلى الحل الشرعى فى المواقف التى يكون فيها شىء من هذا أن يقول: (إنى صائم)، فهى تُشعر الطرفين كليهما على احترام الشهر والصيام من أن يُخدش بسباب أو زورٍ أو جهل.
الوقفة الرابعة: إذا حضرت مجلسًا فيه شىء من الغيبة أو النميمة ونحوهما، فعليك بإنكار ذلك بطريقة مناسبة، وتذكَّر دائمًا قول النبى صلى الله عليه وسلم: (مَن ردَّ عن عِرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة)، فاستثمر المواقف السلبية بالإيجابية، واعلَم أنك إن جاملت ولم تفعل، فقد تكون مشاركًا؛ قال الله تعالى: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) {الأنعام: 69}، فإن أنكرت ولم يُقبل منك، ففارِق ذلك المجلس؛ ليسلم لك لسانُك وميزانك وصيامُك، ولكن إياك والمجاملة فى أمور دينك، فكن آمرًا وناهيًا لكن بحكمة وأدب!