روضات الجنات
وداع رمضان
ها هو شهر الخير قد قُوِضت خيامه، وتصرَّمت أيامه، فحق لنا أن نحزن على فراقه، وأن نذرف الدموع عند وداعه.
وكيف لا نحزن على فراقه ونحن لا ندرى هل ندرك غيره أم لا؟ كيف لا تجرى دموعنا على رحيله؟ ونحن لا ندرى هل رفع لنا فيه عمل صالح أم لا؟ وهل ازددنا فيه قرباً من ربنا أم لا؟ كيف لا نحزن عليه وهو شهر الرحمات، وتكفير السيئات، وإقالة العثرات؟!
يمضى رمضان بعد أن أحسن فيه أقوام وأساء آخرون، يمضى وهو شاهد لنا أو علينا، شاهد للمشمر بصيامه وقيامه وبره وإحسانه، وشاهد على المقصر بغفلته وإعراضه ونسيانه.
رمضان سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، فلله كم سجد فيه من ساجد؟ وكم ذكر فيه من ذاكر؟ وكم شكر فيه من شاكر؟ وكم خشع فيه من خاشع؟ وكم فرّط فيه من مفرِّط؟ وكم عصى فيه من عاص؟
ارتحل شهر الصوم، فما أسعد نفوس الفائزين، وما ألذ عيش المقبولين، وما أذل نفوس العصاة المذنبين، وما أقبح حال المسيئين المفرطين.
لا بد من وقفة محاسبة جادة، ننظر فيها ماذا قدمنا فى شهرنا من عمل؟ وما هى الفوائد التى استفدناها منه؟ وما هى الأمور التى قصرنا فيها؟ فمن كان محسناً، فليحمد الله، وليزدد إحساناً، وليسأل الله الثبات والقبول والغفران، ومن كان مقصراً فليتب إلى مولاه قبل حلول الأجل.
تذكر أيها الصائم وأنت تودع شهرك سرعة مرور الأيام، وانقضاء الأعوام؛ فإن فى مرورها وسرعتها عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين قال عز وجل: ∪يقلب الله الليل والنهار إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار∩ (النور: 44)، بالأمس القريب كنا نتلقى التهانى بقدومه، ونسأل الله بلوغه، واليوم نودعه بكل أسىً، ونتلقى التعازى برحيله، فما أسرع مرور الليالى والأيام، وكر الشهور والأعوام.
والعمر فرصة لا تمنح للإنسان إلا مرة واحدة، فإذا ما ذهبت هذه الفرصة وولت، فهيهات أن تعود مرة أخرى، فاغتنم أيام عمرك قبل فوات الأوان، ما دمت فى زمن الإمكان، قال عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه: ∩إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل أنت فيهما∪، وقال ابن مسعود رضى الله عنه: ∩ما ندمتُ على شىء ندمى على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلى، ولم يزد فيه عملى∪.
وتذكر دائماً أن العبرة بالخواتيم، فاجعل ختام شهرك الاستغفار والتوبة، فإن الاستغفار ختام الأعمال الصالحة، وقد قال عز وجل لنبيه فى آخر عمره: ∪إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً∪ (النصر: 1−3)، وأمر سبحانه الحجيج بعد قضاء مناسكهم وانتهاء أعمال حجهم بالاستغفار، فقال جل وعلا: ∩ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم∪ (البقرة: 199).
كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يجتهدون فى إتمام العمل وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رده، كما وصف الله عز وجل عباده المؤمنين بأنهم: ∩يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون∪ (المؤمنون: 60)، فهل شغلك −أخى الصائم− هذا الهاجس، وأنت تودع شهرك، قال على رضى الله عنه: ∩كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الحق عز وجل: ∪إنما يتقبل الله من المتقين∪ (المائدة: 27)، وكان ينادى فى آخر ليلة من شهر رمضان: ∩يا ليت شعرى! من هذا المقبول منَّا فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه، أيها المقبول هنيئاً لك، أيها المحروم جبر الله مصيبتك∪..
فما كان أحلاها من أيام، وأحلاها من ليالٍ، وأجملها من لحظات، إنها تستحق البكاء والنحيب، ولا ينظر إلى لوم اللوام فى ذلك.
ذهبت ساعات رمضان بما فيها، ذهبت بالصلاة والخشوع، ذهبت بالبكاء والأنين، ذهبت بالاستغفار والتهليل والتسبيح، ذهبت لتشهد للمخبتين عند رب العالمين، ذهبت لتسطر فى التاريخ صور الإبداع والجمال التى نقشها الصالحون، ذهبت لتعلن نتيجة السباق التى استمرت شهراً كاملاً، وكان فيه من التنافس والمسارعة ما يبعث الأمل فى القلب أن الأمة لا زالت بخير.
ويبقى أمر مهمٌ حتى تتأكد معالم الخير فى الأمة نقول لمن أجهدوا الأجساد فى هذا الشهر؛ لترتاح الأرواح: أتبع الحسنة الحسنة، واختم عملك بالاستغفار فإن النبى فى آخر عمره، وبعد سنوات من الجهاد، وزمن من الكفاح والسعى فى الله − عز وجل −، والاجتهاد فى الطاعات؛ يقول له الرب − جل فى علاه − ∪إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً∩، فيكثر المسلم من الاستغفار بعد كل طاعة؛ علَّ ذلك أن يسد ما فيها من خلل، ويكمل ما فيها من نقص.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض