أوراق مسافرة
تعلمنا منذ طفولتنا فى اللغة العربية أن الضمير الغائب يشمل عشر كلمات، هو، هى، هما، هن، هم، إياه، إياها، إياهما، إياهن، إياهم، لكننا لم نقرأ أو نسمع أن كل الضمائر الغائبة يمكن أن تجتمع فى جملة واحدة، لكن حين كبرنا وتركنا خلفنا كتب المدرسة لندخل مدرسة أكبر وهى مدرسة الحياة، تعلمنا درس جديد غريب، بل ومهول وهو أن كل الضمائر الغائبة يمكن أن تتجمع جملة واحدة، تتكاتف، تتضافر للإفساد ولو بدن لتفاق مسبق، وأعنى هنا الضمائر الإنسانية وليست اللغوية، غادرنا قواعد النحو الأصيلة لنرى قواعد ليس لها أصل ولا فصل، وللأسف أنها صارت فعلًا قواعد فى مجتمعاتنا التى يتعامل الجميع على أساسها إلا من رحم ربى.
للأسف غابت الضمائر، بل ماتت، لأن مفهوم الغياب يعنى إمكانية العودة، لكننا لم نسمع عن شىء مات وعاد مجددًا للحياة، ماتت الضمائر على كل المستويات «إلا من رحم ربى» داخل الأسرة الواحدة، بين الجيران، فى الشارع، لدى من نتعامل معهم بدءًا من البقال والسوبر ماركت، وصاحب المخبز والجزار، مرورًا بشركات المياه، الكهرباء، الغاز، الاتصالات، وصولًا إلى المتربعين على مكاتب المصالح الحكومية فمن فوقهم المسئولون ومن رؤوس أينعت فى الفساد، ولا ولن يتم اقتطافها.
كل شخص فى مجتمعنا من أصحاب الضمير الميت يضع يده فى جيب غيره ليسرقه عينى عينك بالإكراه، بالسرقة غير المباشرة، بالرشوة أو بتكبيده الخسائر المالية والمعنوية بشكل أو بآخر دون أى رحمة أو وازع دينى أو أخلاقى، الكارثة كل الكارثة أن أغلب أصحاب الضمائر الغائبة أو الميتة يتوشحون برداء الدين، قد تجدهم فى الصفوف الأولى من المصلين بالمساجد، ولا يمنع ذلك وجود لحية أو علامة صلاة فى الجبهة أو نقاب وحجاب للسيدات منهم، أو ممن يواظبون على زيارة الكنائس أيام الأحاد وغير الأحاد، المهم أن وشاح الدين موجود وكأنه لازم الوجود لتغطية فراغ الروح وفساد الأنفس وجثة الضمير الميت.
صار أغلب مجتمعنا قشورًا لامعة هشة، تتساقط تباعًا، وتتكشف يومًا بعد يوم فجاجة البشاعة والجشع الإنسانى واقتراف الحرام وانتهاك الحرمات والاغتراف من المحرمات، تحت زعم الخوف من الفقر، ومواجهة مطالب وضغوط الحياة، لا يستحى أصحاب الضمائر الغائبة أو الميتة أن يختلقوا أعيادًا جديدة فى بلدنا لم يعرف عنها العالم شيئًا، لدينا عيد المستشفى، عيد قضاء المصالح بمؤسسات ومصالح الدولة، عيد تجديد الرخصة، عيد زيارة سجين، عيد دخول المطار، وغيرها العشرات، هذا الأعياد شعارها، «كل سنة وأنت طيب» وهى الشفرة التى يتم بها اختراق محفظتك وكل جيوبك وتفريغ ما بها وتحويله إلى جيوبهم ليأكلوا السحت والحرام، وإلا لن تنال شيئًا من حقوقك التى كفلها لها الدستور والقانون والإجراءات الرسمية وكل اللوائح المفترضة فى بلدنا.
عيد المستشفى، إن لم تتفاعل معه، سيموت مريضك أو يتم تركه دون الرعاية المستحقة، فى المصالح الحكومية ستتعقد أوراقك ولن تقضى مصلحتك، ستضطر إلى دفع قيمة فواتير ما أنزل الله بها من سلطان دون الاستجابة لشكواك ومطلبك بضرورة المراجعة والمعاينة لعدادات بيتك من مياه وغاز وكهرباء لتحديد أسباب ارتفاع معدلات الاستهلاك بصورة لا يقبلها منطق، أما شركات الاتصالات فجيبك ليس بناج منها، أما تجديد رخصة سيارتك فستدفع غصب عن «ننى عينك» وإلا ستقضى النهار فى المماطلة وسيطلب منك أحدهم الذهاب للسمكرى لأن عصفورة تخلصت من مخلفاتها على سيارتك فأحدثت بها بقعة.
ولا ننسى فى ذلك عيد الشارع، عندما تركن سيارتك حتى تحت بيتك، ستنشق الأرض ويطلع لك شخص «على الأقل» ويقذف جيبك بجملة المعايدة «كل سنة وأنت طيب» وويل لك إن لم تمنحه العيدية الإجبارى فأنت الخاسر الوحيد، ستجد زجاج سيارتك مكسورًا أو مشروخًا أو تم حفر كلمات قبيحة على هيكل السيارة؛ أو ستجد مرآة مكسورة، إطار مثقوب، وهكذا، لذا عليك أن تدفع بالتى هى أوفر لك.
كل هذه الأعياد المصرية المبتكرة التى «تحلب جيب المواطن كوم»، وما يتم على المستويات الأعلى تدرجًا شىء آخر، ولنبدأ بالأطباء عافاكم الله جميعا ولا أحوجك إليهم، أقل قيمة كشف اربعمائة جنيه حتى فى المناطق الشعبية والأكثر فقرًا، يصعد المبلغ إلى ألف وما فوق، وقد يتجاوز كل التصورات إذا كان المريض «مستعجل»، حيث لا يحتمل المريض الألم، وتزاداد قيمة الكشف وفقًا لفخامة العيادة وموقعها، والدعاية «الفالصو» المصنوعة للطبيب بحنكة، والآن صار لدينا طبيب الرموت كنترول، أى الطبيب الذى يكشف عن بعد ومن مسافة آمنة من المريض، فلا يلمسه، ولا يقترب منه، ولا يقيس له ضغط ولا سكر ولا أى شيء، فقط يكتفى بخمس دقائق جلسة إستماع لشكوى المريض ليكتب روشتة مكتظة للأدوية قيمتها مئات الجنيهات... و للحديث بقية.