(خارج السرب )
"فى انتظار جودو" هى رائعة مسرحية للكاتب الأيرلندى صمويل بيكيت عن صديقين يتلاقيان يومياً فى مكان ما بالغابة فى انتظار شخص يدعى «جودو»، يأملان خلال مقابلته لهما أنه سوف يرفع عنهما عبء ما يعانيانه فى حياتهما من شقاء وَكَبد ولكنهما رغم انتظارهما الطويل له كل يوم، فإنه لا يأتى وكل ما يفعله أنه يبعث لهما برسول يعتذر عن عدم ملاقاتهما على أن يقابلهما فى الغد، وهكذا يمر يوم بعد آخر دون أن يحقق وعده، ولكنهما رغم ذلك ينتظرانه دون ملل أو كلل وأثناء انتظارهما يقابلان شخصيات رمزية تعكس نظرة بيكيت الفلسفية إزاء العالم والوجود والعدم وما يدور حوله من أحداث لا يملك الإنسان إزاءها شيئاً سوى الانتظار والاستسلام فى انتظار "جودو" أو المنقذ.
والمتأمل للأحداث السياسية الراهنة يجد أن بيكيت في رائعته -التى عُرضت لأول مرة عام 1953- قد أبدع في رسم صورة تماثل تماماً حالنا الآن وواقع انتظارنا للفاىٔز في الانتخابات الأمريكية وأملنا في أن يغير من وضعنا المأساوى الآن، إذ نظل –كعرب- ننتظر وننتظر دون جدوى وتتكرر انتخابات أمريكية تلو أخرى وتتغير وجوه إثر وجوه وتتعدد الأسماء، لكن النتيجة والعدم سواء، فيتحول انتظارنا هذا إلى نوع من العبث لمن سيمكث على عرش العالم وهو لا يختلف كثيراً عن انتظار "جودو" فى مسرحية بكيت العبثية؛ إذ لن يقدم المتربع على عرش العالم كثيراً للعرب، سواء كان من هاريس «الديمقراطيين» أو ترامب «الجمهوريين».
فالبعض –واهماً- قد يفضل الديمقراطيين بما عُرف عنهم من الملاطفة للعرب -أوباما كمثال- أو قد يأمل الكثير منهم كما يبدو من خطابهم السياسى اللين ويمقت الجمهوريين -ترامب كمثال- بوجههم المكشوف الممالئ لإسرائيل جهاراً نهاراً ولكن ذلك للأسف عبث لا يقل عن عبث «بيكيت»، إذ كلاهما وجهان لعملة واحدة، فالسياسات واحدة وإن اختلفت الوجوه؛ وجوه الصقور والحمائم، ولا بد أن نتذكر أن فى عهد «أوباما» شهد العرب أكبر مؤامرة لزعزعة وتقسيم بلدانهم نرى نتائجها حتى الآن فىي سوريا وليبيا ومن قبلهما العراق والتى لا تعرف الاستقرار حتى الآن.
والمتأمل لتاريخ أمريكا يجد أنها دولة قامت على أشلاء ودماء وإبادة البشر، حيث أبادوا السكان الأصليين «الهنود الحمر» -80٪ منهم قد أبيدوا فى مذابح تماثل تماماً ما يفعله الإسرائيليون الآن بالفلسطينيين- كما يزخر تاريخها بالحروب الدموية والتدخلات ودعم الانقلابات وغزو البلدان المناوئة شرقاً وغرباً جنوباً وشمالاً مما لا يتسع المقام لحصره، وهى لا تعبأ بقانون أو قيم أو أعراف -أبادت هيروشيما وناجازاكى فى الحرب العالمية الثانية، رغم أنها كانت فى طريقها للانتصار- لذا لا يتوقع أنها ستناصر القضية الفلسطينية يوماً ما أو أنها ستغير من سياساتها فى الشرق الأوسط، إذ تعتبر إسرائيل «حاملة طائرات» لها فى المنطقة وليس كما يتصور البعض أن إسرائيل هى التى تسيطر عليها من خلال اللوبى اليهودى، كما أن الحرب الإسرائيلية على غزة التى شهدت –وتشهد- أكبر مجزرة فى تاريخ الإنسانية لم تبدأ سوى بالضوء الأخضر الأمريكي وكذلك استمرارها حتى الآن؛ لذا يبدو أننا سننتظر جودو طويلاً وهو لن يأتى حتماً.