تأملات
بغض النظر عن نتائج جولة بلينكن وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج على صعيد مفاوضات وقف النار فى غزة، ربما لا يتطلب الأمر الكثير من الاجتهاد للوصول إلى نتيجة مضمونها أن تلك المفاوضات تدار من المنظور الإسرائيلى وبرضاء أمريكى بمنطق تضييع الوقت، لحين تحقيق أهداف نتنياهو من الحرب، وإلا بماذا يمكن تفسير تلك الحالة من التيه التى دخلتها المفاوضات دون أن تبدو لها نتائج فى الأفق، بل ووسط تشاؤم الوسطاء بصعوبة التوصل إلى اتفاق!
الغريب هنا هو محاولة تحميل الجانب الفلسطينى المسئولية عن تعثر المفاوضات وإظهاره بمظهر المتعنت رغم أنه ربما يبدو الأكثر حرصا على ذلك الأمر فى ضوء تواصل واستفحال الأزمة فى غزة التى أصبح الوضع فيها يتطلب على الأقل حالة من التقاط الأنفاس. الأكثر إثارة للدهشة أن تهمة عرقلة المفاوضات توجه من الداخل الإسرائيلى بل ومن وزراء فى الحكومة الإسرائيلية وأهالى الأسرى لنتنياهو نفسه. حتى البيت الأبيض كان قد أعلن منذ نحو أسبوعين أنه قد يلقى بالمسئولية على نتنياهو حال عدم تجاوبه مع جهود استئناف المفاوضات.
وإذا كان نتنياهو وافق على مشاركة وفد إسرائيلى فى المفاوضات التى استؤنفت فى الدوحة الأحد الماضى، فإن ذلك لا يعنى قبوله بالانخراط فى هذا المسار وإنما من الواضح أن ذلك جاء تحت ضغط الولايات المتحدة ورغبة منه فى عدم الظهور بمظهر من يعرقل جهود وقف النار، حيث تبذل الأخيرة جهودا مكثفة من أجل تحقيق هذا الهدف على الأقل فى هذا التوقيت لإثناء إيران عن الرد على عملية اغتيال هنية على أراضيها.
ورغم صحة هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بالموقف الأمريكى إلا أن واشنطن لا تمارس دورها بحياد وإنما بانحياز واضح لإسرائيل ربما يصل إلى حد تهيئة الأجواء لاستكمال حربها فى غزة فيما يحاول المسئولون الأمريكيون توفير المناخ الذى يشعر العالم بأن إسرائيل راغبة فى صفقة على الأقل من قبيل تخفيف حدة الانتقادات الموجهة للدولة العبرية على جرائمها فى غزة.
ولذلك يبدو من الجوانب التى تثير التساؤل التصريح الذى أدلى به بلينكن عقب لقائه مع نتنياهو بأن الأخير وافق على اقتراح تقليص الفجوات وأنه يدعمه ومن واجب حماس أن تفعل الأمر نفسه. ويتغافل بلينكن فى تصريحه أنه فى ذلك يروج لمواقف نتنياهو الجديدة التى تمثل شروطا إضافية فيما تؤكد حماس على قبول المقترح الذى عرضه بايدن فى أواخر مايو، أى أنها لم تغير موقفها، الأمر الذى يؤكده ما يثيره فريق التفاوض الإسرائيلى من شكوك حول حقيقة سعى نتنياهو لإبرام صفقة.
بغض النظر عن كون الولايات المتحدة لا ترى فى الأمر سوى صفقة لإطلاق سراح الرهائن وما بعد ذلك ليس سوى تفاصيل، فإن فكرة المفاوضات التى ترفع واشنطن رأيتها رغم انها مطلب جوهرى لمختلف أطراف الأزمة إلا أنه يتم تفريغها من مضمونها فى حدود حسابات نتنياهو بأن الضغط العسكرى والسياسى هو الذى يمكن أن يحقق الأهداف الإسرائيلية بعيدا عن تقديم ما قد يراه تنازلات لحماس والمقاومة، ولذلك فإن تصريح الرئيس بايدن والذى يتهم فيه حماس بالتراجع عن خطة الاتفاق المطروحة مع إسرائيل لا تعدو أن تكون جزءا من سيناريو إدارة القضية بذات المنطق الذى تراه قيادات إسرائيل ويصب فى مصلحتها وربما لا يمثل رد حماس أى تجاوز للحقيقة حين راحت تعتبرها ادعاءات مضللة!
باختصار نتنياهو لا يريد اتفاق ولا صفقة ويستخدم عملية التفاوض كورقة للإلهاء وترويض الداخل بل والخارج.. والمشكلة أن الأمور تسير فى سكة النتائج التى يريد تحقيقها!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض